مستقبل أوكرانيا، حاليا، على المحك. فقد قتل مؤخرا 77 شخصاً على الأقل، وجرح مئات غيرهم وسط الاضطراب والذعر في شوارع العاصمة كييف. ففي عاصمة أوروبية تاريخية ونابضة بالحياة، اصطفت عشرات الجثث على الأرصفة، وأطلق قناصة الحكومة النار على المتظاهرين الذين كانوا يحاولون نقل المصابين إلى بر الأمان.

وتعد هذه أيام سوداء بالنسبة إلى الأوكرانيين، ولحظات مظلمة بالنسبة لأوروبا. وإذا كان الأسبوع يعتبرُ مدة طويلة في السياسة البريطانية، فقد أثبتت 24 ساعة أنها زمن طويل في هذه الأزمة السياسية الأوكرانية. وينبغي أن تكون الأولوية لمنع ارتكاب المزيد من أعمال القتل، وعلى جميع الأطراف القيام بدورهم في سبيل تحقيق ذلك.

ولا شك أن إعادة بناء الثقة ستستغرق وقتا طويلاً على امتداد المجتمع الأوكراني، وهذا يجعل من المهم للغاية مواصلة الاتحاد الأوروبي دعمه لأوكرانيا. وينبغي تذكر أن الأزمة بدأت في نوفمبر الماضي، عندما تخلى الرئيس الأوكراني فيكتور يانكوفتش عن الاتفاق مع أوروبا، الذي من شأنه ضمان دخول أوكرانيا لسوق الاتحاد الأوروبي.

ونظرا لرغبة الشعب الأوكراني في علاقات أوثق مع أوروبا، فمن الخطأ بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي منع حدوث ذلك الاحتمال. ورغم حالة عدم اليقين التي فرضت نفسها، ينبغي بقاء مشاركة فريق وسطاء الاتحاد الأوروبي رفيع المستوى، الذي يضم وزراء خارجية كل من فرنسا وألمانيا وبولندا، وعليهم محاولة العمل مع جميع الأطراف لمنع حدوث مزيد من تصاعد العنف. يجب علينا الاعتراف بأن عدد الذين قتلوا في أوكرانيا مؤخرا، هو تعبير تراجيدي عن خطورة الأزمة، كما كشفت شوارع كييف وجود صدع جغرافي سياسي بين روسيا والغرب.

كان الرئيس الأميركي باراك أوباما محقا، عندما قال إنه لم يعد بالإمكان النظر إلى أوكرانيا باعتبارها جزءاً من "رقعة شطرنج الحرب الباردة"، إذ لا ينبغي علينا، بعد مرور أكثر من 20 عاما على سقوط جدار برلين، رؤية حقبة جديدة من الدول المنتمية للقرن العشرين، تترسخ جذورها في القارة الأوروبية خلال القرن الحادي والعشرين.

ويعرف عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتباع نهج "الصفر" في الشؤون الخارجية (تساوي المكسب والخسارة)، إلا أن ما يحصل في أوكرانيا لا يمكن أن يكون فقط متعلقاً بالأمور المنطقية بالنسبة إلى روسيا، بلبما ما هو في صالح شعب أوكرانيا. تواجه أوكرانيا خيارا متعلقاً بالأجيال، وهو ما إذا كان يمكن أن تواجه كلا من الشرق والغرب خلال العقود المقبلة. والكفاح بالنسبة إلى مستقبل أوكرانيا الديمقراطي هو كفاح حيوي، لذلك يجب أن تكون أوروبا مستعدة لإبقاء الضغط عند الحاجة إليه، مع الحفاظ على إمكانية تحسين العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، على المدى الطويل، وذلك سيتطلب، بالتأكيد، دبلوماسية تتسم بأنها ماهرة وحازمة.