يمثل وزير الخارجية الأميركي جون كيري، المفارقة في السياسة الخارجية الأميركية الحالية، وتحديدا في الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي لا تفتأ تستهلك الطاقات الرئيسية للدبلوماسية الأميركية. فنادراً ما كانت تلك الدبلوماسية فعالةً، وجريئة في بعض الجوانب، كما هي اليوم، ونادراً ما كانت الاتهامات مسموعة بشكل أكبر بأن أميركا في تراجع، وأنه قد تم إضعافها، رغم ذلك.
ينغمس كيري في ثلاث جبهات صعبة ومتداخلة للغاية؛ وهي جهود إنهاء الحرب الأهلية في سوريا، وبحث الغرب إبرام اتفاق نووي مع إيران، والذي من شأنه إنهاء ثلاثة عقود من العداء بين واشنطن وطهران، والاندفاع المتجدد لتأمين حل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين، والذي عجز المفاوضون عن التوصل إليه منذ عام 1948.
لقد اختلطت النتائج منذ الآن، حيث تم إحراز أكبر قدر من التقدم مع إيران، من خلال الاتفاق المؤقت الذي يجمد جوانب من برنامجها النووي لمدة 6 أشهر. ومع ذلك يمكن لكل شيء أن ينهار، إلا أن الأميركيين والإيرانيين يجرون محادثات فيما بينهم.
وتُشكل سوريا فشلاً ذريعا، يتلخص في مؤتمر جنيف-2 الأخير، الذي لم يتمكن حتى من التوصل إلى اتفاق بشأن تقديم المساعدات الإنسانية للمدنيين المحاصرين.
والأمر الأقل وضوحا، هو الوضع الراهن للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فقد كان وزير الخارجية الأميركي لا يعرف الكلل من جانب الحفاظ على استمرارية المفاوضات. وبالنسبة لمعجبيه، فإن هذه المثابرة دليل على تصميمه وشجاعته في المجازفة بهيبته، وهو أسلوب لم تتبعه بتاتا، سلفه هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية السابقة، رغم كل شهرتها ونفوذها المفترض.
وبالنسبة لمنتقديه (وهم كثر في الحكومة الإسرائيلية)، فإن كيري في رحلة لتأكيد ذاته فحسب، مدفوعاً من قبل اعتقاد ساذج بانتصار الأمل على الخبرة. ويتساءل المحايدون ما إذا كان هدف كيري من خطة "إطار عمل"، تختلف حقا ولأي مدى، عن "خرائط الطريق" والصيغ الدبلوماسية الأخرى التي بعثرت 65 سنة من عملية صنع السلام العقيمة.
وأبرزت جهود الوزير كيري في هذه الجبهات الثلاث، معضلة "لا يهم ما تفعله، فإنه سيتسبب في مشكلات"، والتي تواجهها أميركا في منطقة الشرق الأوسط.
ويميل أكثر وزراء الخارجية فعالية إلى أن يكونوا المقربين من رؤسائهم، فيتبادر للأذهان وزراء الخارجية الأميركيين الأسبقين، هنري كيسنجر مع ريتشارد نيكسون، وجيمس بيكر مع جورج بوش الأب. وبالكاد مرت سنة على تولي كيري لمنصبه، ومن المبكر القول ما إذا كان سينضم إلى هذه المجموعة. لكن النجاح في أحد التحديات الثلاثة، سيكون إنجازا جديراً بالذكر.