بعد المصادقة، أخيراً، على المواد الأخيرة في الدستور التونسي الجديد، وقف المشرعون رافعين إشارات النصر ومهللين قبل إنشاد النشيد الوطني. إذ لديهم سبب وجيه للاحتفال. فبعد عملية طويلة، ومشحونة، غالباً، استطاعت تونس إنجاز الدستور الأكثر ليبرالية في العالم العربي، وحققت ذلك عن طريق توافق الآراء.
بدأ الربيع العربي في تونس قبل ثلاثة أعوام، عندما أضرم بائع فواكه يائس النار في نفسه، لتندلع موجة احتجاجات من قبل مواطنين غاضبين، وذلك ضد الأنظمة الاستبدادية على امتداد الشرق الأوسط. ولا تزال دول مصر، واليمن، وليبيا غارقة في الاضطرابات التي أعقبت ذلك.
واجتازت تونس أيضاً أوقاتاً صعبة، بما في ذلك الانقسامات السياسية العميقة، واغتيال اثنين من قادة المعارضة السياسية، والتهديدات الإرهابية. غير أن المشرعين على امتداد الطيف السياسي لم يتخلوا قط عن مستقبل بلدهم، واستغرقوا أكثر من عامين للتوصل إلى كل مادة من مواد الدستور الجديد، حتى يتمكن كل شخص، تقريباً، من دعمه.
وبينما ينص دستور تونس الجديد على أن الإسلام دين تونس، فإنه يضمن حرية العبادة، وسيادة القانون. كما يحظر التعذيب، ويكفل مساواة المرأة بالرجل. ولقد تم تسليم السلطة لحكومة انتقالية بقيادة مهدي جمعة، وهو وزير سابق للصناعة ومهندس بحكم اختصاصه. ومن المتوقع إجراء الانتخابات في وقت لاحق من العام الجاري.
ولاتزال تونس تواجه تحديات. فاقتصادها في حالة يرثى لها، ويبدو أن معدل البطالة ثابت عند نسبة 17%. كما اندلعت أعمال شغب بشأن الأوضاع الاقتصادية، خلال وقت مبكر من شهر يناير الماضي. وليس كل الإسلاميين سعداء بتوافق الآراء الذي كانوا مجبرين على التوصل إليه.
قدّمت الحكومات الغربية، وحقوق الإنسان، وجماعات المجتمع المدني دعماً قيماً لتونس، وذلك على طول عملية صياغة دستورها الجديد. وهذا ليس وقت مؤسسات الإقراض الدولية، التي تتلهف لتخفض تونس من الإنفاق العام، وتقلل من عجز ميزانيتها، بغية أن تستند إليها بشكل أكبر من اللازم.
فآخر ما تريده الحكومة التونسية هو سبب جديد للمواطنين الذين عانوا لمدة طويلة، ليخرجوا للشوارع مجدداً في احتجاجات.
يثبت إنجاز تونس الاستثنائي أن توافق الآراء بين المنافسين السياسيين المنقسمين يعتبر أمراً ممكناً، وأن احترام الحقوق الديمقراطية والحرية متوافق مع المعتقدات الدينية الراسخة والقيم الثقافية. هذا هو درس قيّم لبقية دول العالم العربي، وغيره من أرجاء العالم.