بدأ أسبوع العمل هذا بخبر مثير مغلف بغلاف غامض حيث قدم الرئيس فلاديمير بوتين إلى البرلمان مشروع قرار يقضي بدمج المحكمة العليا ومحكمة التحكيم العليا.
ألا تفهمون لماذا يجب أن يثير هذا الخبر أحدا ما عدا الحقوقيين المحترفين؟ إنه يعني، حسب رأي، في جوهره الباطن الخاص بالنخبة السياسية الروسية إطلاق عملية إقالة رئيس الوزراء دميتري مدفيديف.
ما مغزى جمع المحكمتين الروسيتين العليتين؟. من المحتمل أنه قريبا لن نتفهم كيف تمكنت روسيا من البقاء في ظروف انعدام الهرم القضائي الموحد. رغم كل ذلك من وجهة نظر المحترفين في أمور حقوقية لا داعي على الإطلاق إلى جمع المحكمتين. لهذا يجب البحث عن تفسير لهذه الخطوة لا في الفضاء الحقوقي وإنما في المجال السياسي.
ليس خفيا على احد في الكرملين أن تعيين مدفيديف بمنصب رئيس الوزراء كان خطوة اضطرارية بالنسبة لبوتين حيث لم يكن لديه مجال ليتصرف بطريقة أخرى بعد أن قدم له مدفيديف خدمة كبرى تمثلت في تخليه طوعا عن الترشح لرئاسة الدولة. وقد وعده بوتين بتنصيبه رئيسا للوزراء وأوفى بوعده حيث شغل مدفيديف وظيفة رئيس الوزراء.
مع ذلك من الواضح أنه لم يسع بوتين العمل مع رئيس وزراء مجبر عليه في وثاق أبدي. ولكن كيف يمكن نصب الزخارف وتزويق عملية إقالة رئيس الوزراء؟ اهتمت شخصيات النخبة السياسية الروسية بهذه المسألة من أول أيام عمل مدفيديف في منصب رئيس الحكومة. قيل لرؤساء الوزراء السابقين، كاسيانوف وفرادكوف وزوبكوف، في حينه كلام بسيط: "شكرا على عملكم، أيها الرفاق!"، وانتهى الأمر.
فيما يخص مدفيديف كان من المستحيل أصلا تطبيق هذه الطريقة، لأنه لم يكن مجرد رئيس للحكومة، إنه كان يتربع على كرسي رئيس الدولة، إنه كان الشخص الوحيد في البلد الذي كانت لديه فرصة واقعية لإبعاد بوتين عن السلطة. بطبيعة الحال لا يستطيع بوتين، كانسان مشهور بعرفانه بالجميل، ان يقيل مدفيديف. انه يستطيع فقط "ترفيعه" عن طريق تنصيبه بوظيفة عليا مخترعة في الدولة.
وستظهر هذه الوظيفة نتيجة لجمع المحكمتين. فمن يصلح للقيام بهذا الدور أفضل من الحقوقي الشهير مدفيديف؟ وبهذه الطريقة لا يتعين على مدفيديف ان يحمل غيضا، وفي الوقت ذاته سيكون بوتين طليق اليدين وسيتمكن عندئذ اختيار رئيس للحكومة حسب هواه. الا يبدو لكم كم هو رائع هذا؟ من المؤسف أنه لم يجد أحد في الكرملين طريقة أرخص من ذلك لتبديل رئيس الحكومة. ويغمرني الشعور بالرعب عندما اتصور مدى الزمن المطلوب وحجم الجهود والأموال التي ستنفق لغرض دمج المحكمتين. ولكن من المعروف أن في روسيا لا يشغل الناس بالهم بمثل هذه "الأمور الصغيرة".