حالة ارتباك غير عادية في السياسة الأميركية بسبب الأحداث الأخيرة في مصر بعد عزل الرئيس محمد مرسي وسقوط حكم الإخوان المسلمين وصعود المؤسسة العسكرية المصرية على مسرح الأحداث بدعم شعبي قوي وغير مسبوق، هذا المشهد لم يهز السياسة الأميركية وحدها بل كان له تأثير كبير على المشهد السياسي العالمي، وسوف يغير هذا المشهد من مسار "الربيع العربي" الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط على مدى العامين الماضيين، هذا الربيع العربي الذي تعاملت معه واشنطن بأساليبها القديمة البالية، فذهبت تهمل إرادات الشعوب وتفرض عليها تيارات إسلامية مصطنعة دأبت على خدمة المصالح الأميركية في المنطقة.
أميركا على مدى تاريخها الطويل تجيد التعامل مع الأنظمة الحاكمة، ولا تجيد التعامل مع الشعوب، بل إنها لا تؤمن في الأساس بإرادة الشعوب وقدراتها على التغيير، ولدى الخارجية والاستخبارات الأميركية أجهزة خاصة للتعامل مع الأنظمة الحاكمة، ولهذا نجدها تخصص ميزانية خاصة سنوية للإنفاق على الأنظمة الحاكمة في العديد من دول العالم، وهذه أمور لم تعد سرية، بل أصبحت معروفة للجميع.
الآن واشنطن أسقط في يدها بعد أن خرجت الشعوب ترفض أنظمة الحكم الإسلامية المصطنعة، وانكشفت لعبة الديمقراطية الأميركية لدى شعوب المنطقة، وبات من الصعب على الأميركيين أن يروجوا لديمقراطيتهم المزعومة، هذه الديمقراطية التي ما إن دخلت من باب إلا وعم الخراب والإرهاب والفساد وانهار الاقتصاد وضاع الأمن في البلاد.
الآن تريد الولايات المتحدة الأميركية الحفاظ على دورها الرئيسي في المنطقة. فواشنطن تخشى من تطور الأحداث في مصر أن يعود العرب لفكرة الوحدة بينهم، ومن أكثر ما أزعجها في مصر الدعم المادي الكبير الذي قدمته دول الخليج لمصر بعد سقوط حكم الإخوان، هذا الدعم الذي سيؤدي استمراره إلى استعادة مصر لقوتها ومكانتها العربية وعودة العرب للالتفاف حولها، كما تخشى واشنطن من عودة الثقل السياسي لروسيا في المنطقة باستدعاء من الدول والشعوب بهدف تحقيق التوازن في القوى، وهو الأمر الذي ليس بإمكان الولايات المتحدة التأثير فيه.
جهود وزير الخارجية الأميركية جون كيري في المنطقة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي بالتحديد، ليس الهدف منها تحقيق تقدم في هذا الملف، لأنه أمر مستبعد، بل الهدف منه رسالة للدول العربية والعالم أن واشنطن مازالت موجودة وبقوة في أهم القضايا في المنطقة، لكن المشكلة التي لا تستوعبها واشنطن جيداً أن القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب لم تعد هي القضية الأم.