اتجهت روسيا غربا في القرن 18 لكن علاقتها بالغرب ظلت متوترة، حيث إن الحضارتين كانتا تشبهان الزيت والماء، فلا عجب أنك مهما قلبت هذا المزيج فإن المواد الداخلة فيه تظل منفصلة.. وقد نحّت روسيا دائما التأثيرات الغربية بعيدا.

على امتداد 200 عام حكمت روسيا من بيتسبيرغ، وهي مدينة بناها معماريون غربيون وجرى تخطيطها تحت تأثير التنوير الفرنسي، غير أن نيكولاي غوغول وليو تولستوي وفيودور دوستوفسكي وكتابا آخرين، ازدروها ووصفوها بأنها بثرة غريبة في جسم روسيا الأم.

وساهم السخط حيال النمو المتفجر للرأسمالية على الطراز الغربي في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وانهيار المجتمع الإقطاعي في الريف الروسي، في اندلاع الثورة البلشفية عام 1917. وفي غضون 10 سنوات من سيطرة البلاشفة على السلطة، أفلحت تلك البلاد في قلب الماركسية رأسا على عقب، فحولتها إلى ما وصف بالأيديولوجية الإقطاعية الجديدة، وفرضت تبني الحقائق الواقعية الروسية، وفي ذلك الوقت أغلقت روسيا حدودها وانخرطت في مواجهة مع الغرب.

وعندما أطاحت روسيا بشيوعيتها في 1991، فتحت حدودها وتبنت المبادئ الديمقراطية الغربية في دستورها. وقد ظل هذا الدستور بلا مساس إلى حد كبير، ولكن قصة الحب مع الغرب لم يطل عمرها، حيث فرض نفسه ذلك لمبدأ المتعلق بالعلاقة بين الماء والزيت، وأعادت روسيا سريعا صياغة ديمقراطيتها محولة إياها إلى أوتوقراطية روسية، وجعلت من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قيصرا حقيقيا.

 رغم ذلك وعلى امتداد العقدين الماضيين، مضت روسيا تتغير وإن كان ذلك ببطء، وفي صورة توقفات واندفاعات، وسمح انفتاح غير مسبوق، للملايين من الروس بالسفر والعيش والدراسة في الخارج، ومعرفة المزيد عن العالم الخارجي، وكل حمولة طائرة تتجه نحو الغرب هي خطوة خروج من عزلة روسيا التي استمرت قرونا طويلة.

لقد أصبحت روسيا، على نحو لا رجوع فيه، مندمجة في الاقتصاد العالمي، فهي تصدر النفط وغيره من السلع، وتشتري السلع المصنعة والغذاء من الأسواق العالمية، وقد أثرى هذا الاندماج بشكل كبير النخب الروسية، وأوجد طبقة وسطى حديثة في مدن روسيا الكبرى. وأخيرا فإن تطور الإنترنت وقدرتها على بث المعلومات والأفكار وأنماط الحياة، قد شكلتا جيلا عولميا جديدا من الروس الشبان الذين يرتبطون بأمور كثيرة مع نظرائهم على امتداد العالم.

وفي الحقيقة فإن القوميين والتقليديين الروس هم الذين يقفون موقف الدفاع، ويدعون إلى العنف ويلجؤون إلى الإرهاب، وقد أفرز ذلك في روسيا تحالفا غريبا بين المسيحية الأرثوذكسية والقومية المتشددة وبقايا الشيوعية السوفييتية، وضراوة هذه التيارات ليست إلا برهانا على أن روسيا تصبح أخيرا دولة غربية.