يبدو وزير الخارجية الأميركي جون كيري في حركة دائمة بمنطقة الشرق الأوسط منذ توليه هذا المنصب، متنقلاً من اجتماع لآخر مع مسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين كبار، على امتداد الأشهر الأربعة الأخيرة، وذلك في محاولة لإحياء مفاوضات السلام. ولقد أفصح عن بعض التفاصيل القليلة فيما بقيت سياسته العامة غير واضحة. إلا أنه سيكون من الحماقة شطب دبلوماسيته لتحقيق السلام، كما فعل البعض. وحتى الآن، يبدو جون كيري متحركاً بطريقة حازمة ومشجعة في سلسلة من الخطوات المتشابكة.
وأخيراً، أعلن كيري في "المنتدى الاقتصادي العالمي" في الأردن أنه سيسعى إلى تجمع دولي- بتنسيق مع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لجمع ما يصل إلى نحو 4 مليارات دولار في استثمار جديد بالضفة الغربية وغزة.
كان القادة الفلسطينيون فاترين حول هذه المبادرة، وحذروا من أنهم "لن يقدّموا تنازلات سياسية مقابل الحصول على مكاسب اقتصادية". وهُم على حق في حذرهم. فمنذ فترة طويلة دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، الذي يعد التزامه بحل الدولتين محل تساؤل، لفكرة "السلام الاقتصادي"، معتقداً على ما يبدو، أن تحسين الأوضاع المعيشية سيجعل الفلسطينيين أكثر ميلاً نحو القبول بتسوية.
غير أن تشجيع النمو الاقتصادي والحد من البطالة الفلسطينية ليس كافياً، حيث يكمن أي سلام راسخ في حل القضايا الجوهرية، وهي حدود الدولة الفلسطينية، ومصير اللاجئين الفلسطينيين، وأمن إسرائيل، ومستقبل القدس. ويعرف جون كيري ذلك، حتى أنه قال في خطابه، إن حزمة استثمارات الـ 4 مليارات دولار تهدف، في جانب منها، لإعطاء الفلسطينيين دافعاً للتفاوض، ورؤيةً لدولة مستقبلية قادرة على البقاء.
وهنالك مؤشرات إيجابية أخرى، فقد أقنع جون كيري جامعة الدول العربية خلال شهر إبريل الماضي، بإعادة تأكيد مبادرتها للسلام لعام 2002، وجعلها أكثر اتساقاً مع المواقف الأميركية والإسرائيلية، من خلال تأييد فكرة تبادل الأراضي عند ترسيم الحدود الإسرائيلية والفلسطينية. وأقنع الفلسطينيين بالامتناع عن الضغط من أجل الحصول على المزيد من الاعتراف من الأمم المتحدة.
وأخيراً، أعلن 300 مدير تنفيذي ومستثمر إسرائيلي وفلسطيني خلال المؤتمر في الأردن مبادرةً تدعى "كسر الجمود" وتهدف إلى إيجاد نفوذ اقتصادي وسياسي محلي، من أجل إحياء محادثات السلام. وإلى جانب نتنياهو، يبدو محمود عباس، العبء الأكبر على تحقيق تقدم جاد، حيث لم يبدِ أي مؤشر إلى إسقاط مطلبه بوقف بناء إسرائيل للمستوطنات قبل استئناف المفاوضات. أهدر فرصة لإبرام صفقة سلام خلال عام 2008، ومن الحمق أن يقوم بذلك مرة أخرى.