تتباهى عناوين الصحف الأخيرة لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بالأخبار قائلة: "الاقتصاد الفرنسي يعود إلى الركود".

ومن المضحك أن البريطانيين يبدون سعيدين، إذا سجل جارهم عبر المانش أداء أسوأ بقليل منهم، خصوصاً إذا تمكنوا من القول إن هذا خطأ حكومتهم لتجاوزها كثيرا يسار الوسط.

بالفعل، دخل الفرنسيون لتوهم في ركود مزدوج، فيما نجا البريطانيون.

لكن أداء الاقتصادين الفرنسي والبريطاني في السنوات الأخيرة، كان متشابها كثيرا لجهة نمو "الناتج المحلي الإجمالي". والأخبار الفعلية يجب أن لا تركز كثيرا على فرنسا، بل على الأوضاع الصعبة في منطقة اليورو واقتصاديات الاتحاد الأوروبي الأوسع نطاقا.

وهناك حاليا مجموعة من 10 دول أوروبية، ليس منها فرنسا وبريطانيا، اختبرت تراجعا سنويا في الناتج المحلي الإجمالي حسب النتائج الربعية الأربعة الماضية. "

و"نادي التقشف أي 10" يتضمن لائحة من دول جنوب أوروبا المعروفة، لكنها تتضمن أيضا بلدانا في وسط وشمال أوروبا.

والناتج المحلي الإجمالي لإيطاليا تراجع بنسبة 4.8 % خلال سنتين فقط.

أما اليونان فقد خسرت نسبة مذهلة بلغت 31 % من ناتجها المحلي الإجمالي، مقارنة مع ذروة نموها في 2008. وحتى ألمانيا وبولندا اللتين كانتا تحققان أداء معقولا، بالكاد أحرزتا نمواً في الربع الأخير نسبته 0.1% فقط.

والمشكلة التي توحد كل تلك البلدان وبريطانيا ليست اللون السياسي للحكومة، بل سياسة الاقتصاد الكلي المتبعة.

ويبدو الأمر أشد وطأة على بلدان منطقة اليورو التي لا يمكنها الاعتماد على مصرف مركزي لدرء المستثمرين في سوق السندات، للحد من ارتفاع كلفة الاستدانة، والتي تخضع في المقابل لسياسات "المصرف المركزي الألماني" التدميرية.

والإخلاص لمعدل العجز والدين نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، الذي يوحد الحكومة البريطانية وحزب الاستقلال البريطاني والمصرف المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، يعد جزءا من اقتصاديات العناية بالمعوزين والفقراء، حيث ينظر إلى التقشف الذي يجري تنسيقه "كحل"، فيما تصل البطالة مستويات هائلة غير معروفة في تاريخ أوروبا المعاصر.

دعونا نتذكر لماذا كتب كينز نظريته العامة في التوظيف والفائدة والمال، باختصار يجب أن يأتي التوظيف والعمالة في المقدمة، والباقي يتبع.

ومشكلة أحزاب الديمقراطية الاجتماعية عبر أوروبا، أنها قبلت بالمنطق الحديدي الخاص بعقيدة "المصرف المركزي الألماني"، وهي غير قادرة على تقديم بديل لتوليد طلب أوروبي داخلي.

والاتحاد الأوروبي منذ بداياته عبر عن توازن بين مصالح رأس المال (السوق المشتركة) والعمالة (الحماية الاجتماعية)، وطالما جرى الحفاظ على هذا التوازن، كان معظم الناس عبر أوروبا راضين بالاتحاد الأوروبي، رغم كل عيوبه.

 لكن الترويكا (المصرف المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي) تدمر هذا التوازن، بجعل الاتحاد الأوروبي مجرد عربة لليبرالية الجديدة.