تجلى الغرض النبيل من إنشاء الاتحاد الأوروبي، وهو إحلال السلام في قارة سئمت الحروب، مجدداً منذ أيام، إذ صادقت كل من صربيا وكوسوفو على اتفاق أبرم بوساطة الاتحاد، ينهي، في الواقع، إحدى أكثر حروب تسعينيات القرن الماضي وحشية، وآخر الحروب في أوروبا، كما نأمل. وبموجب هذا الاتفاق التاريخي المبرم بين عدوين سابقين، تسلم صربيا السلطة القانونية لمقاطعتها السابقة، فيما تمنح كوسوفو أقليتها الصربية حكماً ذاتياً واسع النطاق.

وبالنسبة للعالم، فإن الاتفاق يظهر أن السلام يكون ممكناً عندما يتم تحجيم مشكلات، مثل النزاعات على الأراضي، والانقسامات العرقية، والمخاوف الدينية، عبر التفاوض لصالح ذلك النوع من المثل العالمية والرخاء المشترك، الذي يدافع عنه الاتحاد الأوروبي. وهناك حاجة ماسة إلى ذلك الدرس في أماكن مثل سوريا والشرق الأوسط، وشبه الجزيرة الكورية، وشمال القوقاز، والكونغو، وميانمار (بورما)، والمياه المتنازع عليها في شرق آسيا.

وبالنسبة للدولتين البلقانيتين، فقد ساهم إغراء عضوية الاتحاد الأوروبي في دفعهما نحو تقديم تنازلات صعبة، في ما يخص تقاسم السيادة والسلطة. ويتعين عليهما الآن أن تجريا إصلاحات داخلية لتلبية معايير الاتحاد الأوروبي، في ما يتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد. والاتفاق الأخير يعطيهما القدرة على "تضميد جراح الماضي"، حسب قول رئيس وزراء كوسوفو هاشم تاتشي، وهو قائد سابق لجيش تحرير كوسوفو.

ويقدم الاتفاق درساً آخر كذلك، إذ إنه يمثل النتيجة النهائية للتدخل المسلح الذي شنه الغرب عام 1999، لمنع الإبادة الجماعية في كوسوفو، حيث ساهم قصف حلف شمال الأطلسي لصربيا على مدى 11 أسبوعاً، في إنهاء حكم سلوبودان ميلوسوفيتش، وإثارته للغضب القومي بمهاجمة الشعوب الأخرى من أجل البقاء في السلطة.

 ومثل منع المجازر في كوسوفو لحظة هامة في تاريخ تصميم العالم على عدم تجاهل الفظائع الجماعية، وكان لا بد من تعلم درس التدخل الإنساني ذلك، بعد الاستجابة العالمية الضعيفة للإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا عام 1994، وللمذبحة التي راح ضحيتها 8000 رجل وفتى بوسني في سربرنيتشا عام 1995. وفي عام 2005، تبنى مؤتمر قمة عالمي عقدته الأمم المتحدة، فكرة "مسؤولية الحماية".

أو التدخل الجماعي في دولة تشهد عمليات قتل واسعة النطاق. ويأتي الاتفاق الصربي الكوسوفي، في أعقاب نجاح دبلوماسي قادته الولايات المتحدة عام 2011، لإنهاء الصراع في السودان، وإنشاء دولتين. وكما غذى اشتباك بين المسلمين والمسيحيين تلك الحرب، فقد غذى اشتباك بين صربيا (المسيحية الأرثوذكسية) وكوسوفو (الإسلامية إلى حد كبير، والألبانية عرقياً) الحرب بينهما.

وفي كلتا الحالتين، ساهمت الرغبة في التقدم الاقتصادي، في إخماد التوترات الدينية. ويعود شق كبير من الفضل في التوصل لهذا الاتفاق، إلى كاثرين آشتون مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، فقد ساهمت مهاراتها التفاوضية الصبورة ومصداقيتها، في إبقاء المحادثات على مسارها الصحيح. ومما ساهم أيضاً حقيقة، أن شهية الاتحاد الأوروبي لقبول أعضاء جدد، تضاءلت في أعقاب أزمة اليورو، حيث أصبحت كوسوفو وصربيا بحاجة الآن إلى تقديم التنازلات، للحفاظ على أملهما في الانضمام إلى الاتحاد في نهاية المطاف.