اتسمت قائمة "ماغنيتسكي" التي نشرتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، أخيراً، بانعدام الفاعلية. إذ استثنت الإدارة الأميركية كل مسؤول روسي ارتأت أنه قد يثير غضب الكرملين. وأملاً في نيل استحسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتلك القائمة السوداء المخففة، فقد أرسل أوباما مستشاره للأمن القومي، توماس دونيلون، إلى موسكو ليجتمع بالرئيس الروسي وغيره من المسؤولين الكبار.
ولكن بوتين، بدلاً من أن يظهر امتنانه، لم يبق إلا لدقيقة واحدة لاستلام رسالة أوباما التي أحضرها له دونيلون، وترك الأخير يقضي معظم وقته مع مجرد نائب لوزير الخارجية الروسي.
هنالك قلة من الأمور التي تعد أكثر إزعاجاً من تقديم التنازلات لزعيم فظ يقابلها بالفظاظة. والرد الطبيعي على مثل هذه المعاملة هو أن توسع واشنطن قائمة "ماغنيتسكي" لتشمل مزيداً من المسؤولين الروس البارزين.
وليس لدى الكرملين ما يخشاه في هذا الصدد. فسياسة أوباما تجاه روسيا هي سياسة رجل محترم يعتذر إلى إنسان يتعمد الدوس على قدميه في حافلة للنقل العام لكي يثبت قيمته الذاتية، مدركاً أن الرجل المحترم لن يهدد بالرد بالقوة.
وقد أظهرت إدارة أوباما مراراً أنها تستطيع التصرف بلباقة واحترام، حتى في الأوقات الصعبة. ففي الخريف الماضي، وبعد مهاجمة الجماهير الغاضبة لسفارتي الولايات المتحدة في القاهرة وبنغازي، على سبيل المثال، أعرب أوباما عن استنكاره لفيلم فيديو أميركي آذى مشاعر المسلمين.
واستناداً إلى هذه الخلفية، فإن إظهار بعض الخنوع للكرملين يبدو أمراً تافهاً. فالأشخاص المحترمون لا يفهمون ببساطة أن البلطجية لا يستطيعون تقديم التنازلات، وأن كل تنازل يقدمه شخص حسن النية يلهمهم بشن مزيد من الهجمات. وهذا الأمر يزداد صحة بالنظر إلى أن روسيا ليست لاعباً عالمياً رئيسياً، وأنها ليست مصدر قلق واشنطن الأكبر.
غير أن هذه المشكلة لا تخص أوباما وحده. إنها مشكلة يعاني منها الزعماء الديمقراطيون بشكل عام عندما يحاولون التعامل مع نظرائهم المستبدين. فقد اتبع كل من رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين ورئيس الوزراء الفرنسي الأسبق إدوار دالادييه النهج ذاته مع أدولف هتلر.
وفي حقيقة الأمر، فإن الحكام المستبدين يحظون دائماً بخيارات سياسية أكثر بكثير من تلك التي يحظى بها حكام المجتمعات المفتوحة، وذلك نتيجة لعدم تقيدهم بأي اعتبارات قانونية أو أخلاقية. فما الثمن الذي يدفعه الحاكم المستبد لقاء سلوكه الجامح؟ لا شيء، في معظم الحالات. وفي المعركة الأميركية - الروسية الدبلوماسية، سوف يحقق بوتين دائماً نصراً نفسياً مقنعاً على أوباما، شأن المتنمر الذي يدوس عمداً على قدمي الشخص المحترم على متن الحافلة.
والمشكلة هي أن المتنمر، بعد أن يدوس على قدمي الرجل، سوف يجلس في الحانة ويتبجح بما فعله أمام رفاقه، فيما سيعود الرجل إلى مكتبه ويعمل بجد أكبر من أي وقت مضى. والمشكلة هي أن الإنتاج الأميركي للغاز الصخري تسبب بالفعل في انخفاض الأسعار العالمية للغاز.
وعلاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة سوف تنتج، في غضون بضع سنوات، ما يكفي من النفط الحجري مما سيخفض تلك الأسعار بدرجة أكبر، وتتحرر من اعتمادها على النفط المستورد. ولكن إلى حين حدوث ذلك، فإن الكرملين سوف يستمتع بذم الولايات المتحدة وازدراء مستشاري أوباما الأمنيين.