تبقى الذكريات حاضرة وقيمة للغاية، كأنها حدثت بالأمس فحسب، عندما أعلن الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش بدء الأعمال القتالية ضد العراق، وتحدى رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أكبر احتجاجات شعبية عرفتها بريطانيا، لأخذها إلى الحرب بمعية الولايات المتحدة. الصور المبكرة للقصر الرئاسي المدمر.

وتمثال الدكتاتور الذي أطيح به، والاعتقال المذل للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في حفرته، لم تفقد أياً من قوتها، ولا توجد عباراتٌ تصفها. ولقد صرح وزير الدفاع الأميركي الأسبق دونالد رامسفيلد، بأن نهب متاحف العراق "أمور تحدث".

غير أن التذكر الدقيق لهذه الأسماء، والصور، والعبارات، في آن واحد، يبدو كأنه حدث منذ أقل من نحو 10 سنوات ماضية. ومن جوانب كثيرة جدا، كانت تلك أوقات مختلفة. وسوء التقدير والغطرسة، ناهيك عن النصائح القانونية المريبة التي أدت لمشاركة بريطانيا في غزو دولة ذات سيادة بذريعة تبيّن أنها زائفة كليا، أضاف الكثير سريعا إلى أكبر وأكثر خطأ مكلف في السياسة الخارجية لبريطانيا، منذ الهجوم على السويس قبل حوالي نصف قرن.

وفي الواقع، بعد مرور 10 سنوات على "الصدمة والرعب"، من أولى الهجمات الأميركية الضخمة على بغداد، ومُضي 10 سنوات على عمليات الهبوط البريطاني المتعثر في البصرة، يمكن القول إن حرب العراق كانت مكلفة لبريطانيا مثل حرب السويس. واكتسبت هزيمة عام 1956 وضعا بارزا كإذلال وطني، بسبب مساهمتها في انهيار فكرة بريطانيا المبالغ فيها عن القدرة الخاصة على الوصول.

وبحلول وقت حرب العراق، ومن بين عامة البريطانيين على الأقل، بقي هنالك القليل من أوهام العظمة الإمبريالية ليتم تبديده، حيث تكاليف حرب العراق تكمن في أماكن أخرى، كالحقائق التي جلبتها إلى بريطانيا.

إن الانضمام إلى الغزو الأميركي للعراق، قد كلف بريطانيا بشكل واضح الخسائر البشرية، بإزهاق أرواح 179 عسكريا من الرجال والنساء، فضلا عن الأموال. والتقدير المتحفظ، هو أن الحرب أخذت أقل قليلا من 10 مليارات جنيه إسترليني من خزانة الدولة البريطانية.

وبالقدر نفسه من الوضوح، تتضمن التكاليف الواضحة إهمال التدخل الأفغاني، ونظرة بريطانيا لنفسها كقوة عسكرية من الدرجة الأولى. وكانت نقاط ضعف القوات البريطانية مكشوفةً بشكل قاسٍ في البصرة، حيث اضطرت للخروج بشكل محرج. إلا أن التفاوت في القدرات والمعدات مع القوات الأميركية كان ساطعا.

حيث أنهت حرب العراق مفهوم أنه بمقدور بريطانيا قيادة الحروب على جبهتين، وفي آن واحد. والإيجابيات القليلة، هي أن تجربة هذه الحرب قد أقنعت الحكومة التي يقودها محافظون، بأنه ينبغي على بريطانيا التصرف، والتخطيط، ضمن حدود قدراتها.

والتكاليف الأخرى الأكثر خداعا، أحدها هو تشويه سمعة بريطانيا في العالم العربي، والذي ما زال مستمرا. والآخر هو تناقص الثقة بين بريطانيا وأميركا.