تميل الأحكام التي يصدرها التاريخ، إلى أن تكون مؤقتة وغير كاملة وقابلة للتغيير إلى نقيضها، وهي تصل في أحيان كثيرة مقترنة بالمفارقة، وهذا ينطبق بصفة خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرب، حيث يعتقد أن نتائج ميدان المعركة تعد حاسمة، ولكنها تبرهن على أنها أي شيء خلاف ذلك.

وبدلا من تقديم السلام، فإن النصر غالبا ما يكون مقدمة للمزيد من الحرب، فالجروح ما إن تفتح حتى تتقيح. وقد بدأت الأمور في رفض الانتهاء من الحروب بعناد، فالأمر على نحو ما لاحظ المحلل الاستراتيجي ف. سكوت فيتجيرالد: "المنتصر ينتمي إلى الغنائم".

يشكل العام المقبل الذكرى المئوية للصراع الذي عرف يوما باسم الحرب العظمى، وقد خسرت ألمانيا تلك الحرب. كما أن فرنسا وبريطانيا يمكن أن تقولا إنهما كسبتا الحرب بأي معنى له مغزاه، هو أمر مختلف تماما. فإلى جوار غرس بذور سفك للدماء أكثر فظاعة بعد عقدين اثنين فحسب، فإن القتال في السنوات 1914 1918 قد أدى بصورة أساسية إلى تزويد السياسيين البريطانيين بذريعة لتقسيم الإمبراطورية العثمانية، وقد برهنت هذه الخطوة على أنها قاتلة.

إن ما أرادته لندن من هذا الشرق الأوسط الذي قطعته بلا اكتراث، هو الربح والخضوع، وكان ما حصلت عليه هو الرفض والمقاومة، الأمر الذي أسفر عن حشد من المشكلات قدمت في وقت لاحق إلى واشنطن. ومن الناحية العملية فإن انتصار 1918 وسع نطاق الإمبراطورية البريطانية، لا لشيء إلا ليعجل بانهيارها، مع قيام الولايات المتحدة، بسذاجة، بتسلم مقاليد المسؤولية الإمبراطورية.

وهناك العديد من الانتصارات ذات القصص الكثيرة التي احتوت أقراص سمومها الخاصة، وتشمل الأمثلة الأحدث على ذلك؛ حرب الأيام الستة التي ألقت على كاهل إسرائيل عبء أقلية كبيرة لا تستطيع الوصول إلى سلام معها أو استيعابها. وهناك أيضا خروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، الأمر الذي أوجد طالبان.

مع مرور الوقت فإن النتائج العسكرية قصيرة الأمد، تصبح أقل أهمية من العواقب السياسية بعيدة الأمد. فقبل خمسين عاما عندما انتهت الحرب الكورية بجمود ظاهر، اعتبر معظم الأميركيين "التحرك الشرطي" الذي قام به الرئيس الأميركي هاري ترومان خطأ فظيعا، أما إذا نظرنا اليوم إليه، فإن هذا الصراع الوحشي ربما يكون مؤهلا لاعتباره أنجح تحرك عسكري في العقود الأخيرة. لكن هذا التقييم بالطبع لا يتماسك إلا في ضوء الهدف الأميركي، وهو احتواء الشيوعية.. فالجهد التي بذل لتحرير كوريا الشمالية، لم يثمر إلا صراعا لا ضرورة له مع الصين.

هناك تحد يواجه المؤرخين في حرب العراق التي بدأت قبل 10 سنوات، وهذا التحدي هو تخمين ما الذي كانت الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش تحاول القيام به.