ينبغي لنهاية حكم هوغو شافيز في فنزويلا، أن تمثل معلما هاما في طريق التاريخ الطويل نحو مزيد من الديمقراطية، إذ فقد العالم مؤخرا أحد زعمائه الذين يضعون حكمهم الشخصي قبل سيادة القانون.

وبصرف النظر عن قيمة أفكار شافيز، بما في ذلك النهوض بالفقراء، وكسر نخبة راسخة، فقد تضررت بفعل نزعة شعبوية استبدادية، أو اعتقاد بأن شخصا واحدا يستطيع أن يجسد تطلعات الجماهير، إلى درجة أن الديمقراطية العادية، والحقوق الفردية، والرقابة القضائية، يجب أن تنحني لسلطته.

وخلال رئاسته التي امتدت 14 عاما، ارتكب شافيز أخطاء مماثلة لتلك التي ارتكبها غيره ممن أسموا أنفسهم بالثوار، سواء من اليمين أو اليسار، مثل خوان بيرون من الأرجنتين، وسلوبودان ميلوسيفيتش من صربيا.

فتلاعب بالعملية الانتخابية، واستخدم الانقسامات الاجتماعية كتكتيك سياسي، واستغل الامتعاض من الأغنياء، واعتمد على المحسوبية والدعم لتوسيع نطاق قبضته.

وكما فعل هيوي لونغ، الحاكم الشعبوي للويزيانا في ثلاثينات القرن الماضي، فقد أعلن شافيز "كل رجل ملكا!"، ولكنه حرص على أن يبقى وحده ملكا. وتولى شافيز سدة الحكم في نهاية قرن كان أهم إنجازاته نشر الديمقراطية والحرية، وثاني أهم إنجازاته تحقيق المزيد من المساواة الاجتماعية والاقتصادية.

وشأن الكثير غيره من الحكام، فقد سارع شافيز إلى تحقيق الهدف الثاني على حساب الهدف الأول والأهم.

ونتيجة لذلك، فإن فنزويلا تسجل الآن أحد أعلى معدلات جرائم القتل للفرد على مستوى العالم. وقد انخفضت إنتاجيتها النفطية، وتفشت فيها الانقسامات السياسية والفساد، والآن تمسك نخبة جديدة بزمام السلطة. وفي حين أن بعض المؤشرات الاجتماعية ارتفعت، فقد لا تحافظ على ارتفاعها في غياب الاستقرار الذي تجلبه ديمقراطية مفتوحة ونزيهة.

وإلى جانب بنائه هالة من التقديس حول نفسه، فقد تمكن شافيز من الاحتفاظ بمقاليد السلطة لفترة طويلة، من خلال استغلال ثروة البلاد النفطية الهائلة. وفي جميع البلدان الغنية بالنفط تقريبا، لا تتمكن الديمقراطية من مد جذورها، أو تتراجع شيئا فشيئا. ومتى أحكمت حكومة ما سيطرتها على موارد دولتها الطبيعية، فإنها غالبا ما تميل لاستخدامها للبقاء في السلطة.

وتكمن قوة الديمقراطية، في الضوابط والتوازنات التي تمنع أي شخص من الادعاء بأنه يمثل "الشعب"، حيث تضطر الغالبية المنتخبة إلى استيعاب الأقليات، وتوضع الشخصية جانبا في سبيل منافسة للأفكار عبر سلسلة من الأصوات أو الاعتراضات. والدور الرئيسي لـ"الشعب"، هو أن يكون ضابطا لسلطة الدولة.

ويتعين على الفنزويليين أن يعودوا الآن إلى نمط حكم لا يقوم فيه القادة المنتخبون بشخصنة السلطة، أو استخدام الدعوات الشعبية إلى العدالة الاجتماعية، في ظل تشويه صورة، أو سجن، أولئك الذين يخالفونهم في الرأي.

لقد كان شافيز الرجل ساحرا للغاية، وسخيا، ومتعاطفا مع المحرومين بحق. ولكن بشكل عام، فإن معظم أعمال شافيز الزعيم، تحتاج لأن يتم عكسها.. فالتاريخ لم يكن في صفه.