تحمل الأنباء التي تفيد بأن حكومة الرئيس السوري بشار الأسد مستعدة لإرسال أحد وزرائها لإجراء محادثات مع زعيم الائتلاف الوطني السوري المعارض - تحمل بعض الأمل في أن التوصل إلى حل تفاوضي في سوريا قد يكون ممكناً. غير أن مستوى العنف صُعد منذ البداية بفعل السياسة الداخلية والمنافسات الجيوسياسية الإقليمية على حد سواء. فعلى المستوى المحلي، أُخذ المحتجون بزخم الربيع العربي. وكانوا ينادون بالتمكين السياسي والكرامة والمزيد من السيطرة على حياتهم. وكان من شأن رد الحكومة العنيف أن يزرع بذور حرب أهلية.
اختُرعت سوريا اليوم من قبل القوى الاستعمارية. فهي ثمرة اتفاقية سايكس بيكو التي أبرمت عام 1916، والحرب العالمية الأولى. وبعد مرور قرن من الزمن، لم تتلاش بنية الحرب الباردة وحدها، ولكن بلاد الشام على مدى السنوات الـ50 الماضية أو نحو ذلك شهدت أيضاً انخفاضاً في تأثير القوى الخارجية.
ومن شأن عملية تفاوضية منفصلة، بين الولايات المتحدة وروسيا، مع بعض المشاركة الممكنة من جانب الصين، أن تكون ضرورية. إذ يمكن لها أن تساعد على تهيئة الدعم الدولي للبنية الجديدة، وهو ما من شأنه أن يحتاج في نهاية المطاف لأن يقرره اللاعبون الإقليميون.
وبمجرد أن يتم إحراز تقدم على هذا المستوى، فإن المستوى الثاني من المفاوضات بين السوريين سيحظى بفرصة أفضل للنجاح. وذلك لأسباب ليس أقلها أن مسألة تدفق الأموال والأسلحة إلى كل من الحكومة والمعارضة سوف تتم معالجتها. ولا ينبغي لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد أو رحيله أن يكون شرطاً مسبقاً، وإنما نتيجة للمفاوضات، وثمرة لاتفاق بين الطرفين.
ومن شأن أي جزء من أي اتفاق مستقبلي أن يتضمن إعادة توزيع السلطة بحيث لا تعود جماعات الأقليات قادرة على احتكار حياة الأغلبية. فقد تمثلت إحدى سمات الاستعمار ورسم الخريطة الإقليمية في عام 1916 في دعم القوة الاستعمارية لقيادة الأقليات. ولكن هذا لم يعد مقبولاً. ويمكن لعملية إعادة التوازن أن تنطوي الآن على إعادة رسم بنية بلاد الشام السياسية من قبل سكان المنطقة.
وسوف تحتاج الدول المشاركة في الوساطة إلى تشجيع نوع مختلف من الثقافة، لا يتم فيها إجراء التغييرات الإقليمية التي لا مفر منها بالعداء وإزهاق الأرواح. وستدعو الحاجة إلى تسوية مؤقتة جديدة تنطوي على تخلي التشيع عن سيطرته في سوريا في مقابل هيمنته في العراق. كما ستدعو إلى إيجاد تسوية تتضمن مشاركة حقيقية للأقليات في كلا البلدين وفهماً جديداً لمفهوم الهوية.
ولا يمكن لبنية بلاد الشام الجديدة أن تكون متجذرة في هويات "تحتاج إلى القتل" من أجل الوجود. ويرجح لتلك الجهود أن تنجح إذا ما سعى وراءها أولئك الذين هم على دراية بحكاية المنطقة الوطنية والفردية، وليس فقط بـ"السياسة الواقعية" لبنية لم يعد لها وجود.