قررت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أن الأوان قد آن "لمراجعة ترتيب إعادة الأوضاع" مع روسيا، حيث كان هذا الترتيب إحدى أولى مبادرات السياسة الخارجية للإدارة في عام 2009، وخفض بالتأكيد من التوترات الثنائية لفترة، إلا أن الرئيس أوباما يواجه الآن "فلاديمير بوتين" كرئيس لروسيا، بدلا من "ديميتري ميدفيديف"، ولذلك تجب مراجعة أرضية العلاقات الأميركية الروسية بأسرها.

وتحتاج إدارة أوباما، من أجل رسم مسار جديد في العلاقات مع روسيا، لأن تدرك بوضوح من هو فلاديمير بوتين، وما الذي يريده. بوتين رجل ركز اهتمامه على بقاء الدولة الروسية، وليس بقاءه وحده فحسب.

فقد عمل خلال أول فترتين رئاسيتين له، على استعادة وتوطيد القوة والاستقلال للدولة الروسية. وقد فعل ذلك أساسا من خلال توجيه العائدات غير المتوقعة من الطفرة النفطية، لتسديد الديون الهائلة التي راكمها سابقوه، أمثال ميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن، وشرع بعد ذلك في مراكمة احتياطيات روسيا المالية والمادية.

يؤمن بوتين حاليا أنه آن أوان التركيز على تقوية روسيا داخليا، حيث بالكاد ذكر العالم الخارجي خلال "رسالته السنوية للجمعية الاتحادية" (المقابل الروسي لخطاب حالة الاتحاد)، في شهر ديسمبر عام 2012، وأشار إلى أن النظام الدولي حافل بالمخاطر بالنسبة إلى روسيا، وليس بالفرص.

وشدد على أن الروس بحاجة للالتفات للداخل، حيث ينبغي عليهم التطلع للوطنية لا التغريب، وإلى التضامن لا الفردية، وإلى الروحانية لا الاستهلاكية والانحلال الأخلاقي. ووصف الجذور التاريخية والقيم التقليدية لروسيا، بأنها الأسس لمسارها المستقبلي. وأولوية بوتين لعام 2013 هي تقليل تعرض وانكشاف روسيا للصدمات الخارجية، فهو ليس مهتما بمغامرات السياسة الخارجية.

ولا تعنيه، خصوصا، مواجهة الولايات المتحدة. وهو يعارض بصرامة سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، والتهديد باستخدام القوة ضد إيران، ولكن معارضته تتجذر في هوسه بالاستقرار. ومساعدة طهران في تأمين سلاح نووي وإبقاء بشار الأسد في دمشق، ليسا هدفي بوتين.

ولكن أي هجوم إسرائيلي أو أميركي على مواقع إيران النووية، أو تدخل من حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو الأمم المتحدة في سوريا لإزالة الأسد قسرا، سيزيد التقلبات العالمية. يريد بوتين أن يتم ترك روسيا وشأنها، غير مرتبطة بالمسؤوليات والالتزامات. ويريد من روسيا أن تحتمي بجيرانها الأوروبيين والآسيويين، وأن لا تشرع في مزيد من الاندماج مع الغرب المضطرب.

حيث لم يسبق لبوتين أن نظر للغرب كمثال لروسيا، وهو حاليا غير مهتم بالانضمام إليه كشريك، فقد أقنعته أزمة منطقة اليورو بأنه ليست هنالك حاجة لتبني "وطن أوروبي مشترك" (وهي فكرة استقاها من غورباتشوف و يلتسن، مبكرا، في فترة رئاسته). وبالنسبة لإيران وسوريا، سيزن بوتين خطواته للحد من تعرض موسكو وزيادة نفوذها. وفي هذه الأثناء، ستبقى تصورات بوتين لتدخل الولايات المتحدة في السياسات الروسية، نقطة حساسة في العلاقة. وعندما يعتبر أنه قد تمت إهانة أو تحدي الدولة الروسية بأي طريقة في هذه القضية، فسيكون بوتين سريعا في الرد.