هنالك صياغتان للأحداث الأخيرة في مالي، ظهرتا في الأسابيع الماضية، تشير كل منهما إلى أن تفسير الاستيلاء على شمال البلاد من جانب جماعات متشددة، يعد بسيطا بشكل رهيب. وتقول الصياغة الأولى إننا ما كنا لنقع في هذه الورطة لولا الأعداد الهائلة من الأسلحة التي دخلت مالي، بعد أن أطاح الغرب بنظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي في ليبيا المجاورة، ولو أن مستشاري الجيش الأميركي لم يدربوا بعض أولئك الذين تحولوا إلى التشدد، ولو أن الغرب لم يصبّ جل اهتمامه سرا على موارد مالي. وبعبارة أخرى، فإن اللوم يقع على نزعة الغرب الاستعمارية الجديدة. والصياغة الثانية أبسط من ذلك، إذ إنها تلقي اللوم في مشكلات مالي على تدخل تنظيم "القاعدة" الذي استعاد نشاطه، بصرف النظر عما يعنيه ذلك الاسم في الوقت الحالي. وتؤطر هذه الصياغة مالي، باعتبارها مشكلة أمن عالمي على أعتاب أوروبا. وهذه هي الصياغة التي يفضلها بعض الحكومات الأوروبية، ليس أقلها الحكومة الفرنسية، والتي أدت إلى تدخل تلك الحكومات عسكريا في مالي. وشأن الكثير مما كتب في الآونة الأخيرة عن مالي، وعن الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة التي تحاربها القوات الفرنسية والمالية حاليا، فإن كلتا الروايتين أكثر بساطة من الناحية الأيديولوجية من أن تصفا ما يحدث بالفعل. وفي المقابل، فإن مشكلات مالي المتصاعدة، التي امتدت إلى الجزائر مؤخرا، توصف على نحو أفضل بأنها تشكل تتويجا لنصف قرن من التوترات بين الجماعات المختلفة في مالي. وتفاقمت هذه التوترات من جراء فترة طويلة من تحريض الحكومة المالية للمصالح المتنافسة ضد بعضها البعض، ومن جراء التوفر المفاجئ للأسلحة في مجتمعات الطوارق وغيرها من المجتمعات العربية في شمال البلاد المعدم، الذي همش طويلا تحت حكم باماكو.

والحقيقة هي أنه إذا كانت الحكومات والمؤسسات الغربية على خطأ، فإن ذلك يرجع لقبولها المطول واللامبالي بالصياغة "الإجرائية" للديمقراطية، التي تبنتها الطبقتان العليا والوسطى في باماكو، وترويجها لها. وتتمثل هذه الصياغة للديمقراطية في الاهتمام بتأسيس نظام، أكثر من الاهتمام بالمشاركة العامة فيه. وهي ديمقراطية لا تتسم بالشمول، لا اجتماعيا ولا إقليميا. وفي ذلك الصدد، فقد لا ينبغي لنا أن نفاجأ بشكل كبير. والأهم من ذلك، هو أن مالي ليست أول مكان تتم فيه المبالغة كثيرا بالتقدم نحو الديمقراطية.. فكروا في رواندا أو العراق، أو أفغانستان في بداية فترة ما بعد طالبان. وفي حين أن الأحمق وحده هو الذي يتنبأ بما قد يحصل في مالي ومنطقة الساحل خلال الأشهر المقبلة، فإن هناك أمرا واضحا. ففي حال وصل التدخل الفرنسي والإفريقي إلى نهايته، فإن أي حكومة ديمقراطية جديدة تقوم في باماكو، ستحتاج للتحدث إلى أولئك الذين تم إبقاؤهم بعيدا لفترة طويلة، في أطراف مالي. وينبغي لأي محاولة جديدة لترسيخ الديمقراطية، أن تكون شاملة بحق، لا أن تكون صياغة ليبرالية جديدة مصممة للنخب فحسب. وذلك هو الضمان الحقيقي للاستقرار، الذي من شأنه أن لا يدع مجالا للجماعات التابعة لتنظيم القاعدة.