قدم خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الافتتاحي الأول، رؤية واضحة ومحفزة للخروج من عمق أزمة اقتصادية وحربين خارجيتين، فيما كشف خطابه الثاني عن قدر أقل من خططه المحددة للسنوات الأربع المقبلة، وقدر أكبر من فلسفته السياسية.
وقد جادل ببلاغة من أجل رؤية حكومية تقدمية، تستند إلى التاريخ، وإلى إيمانه العميق بأن الازدهار الأميركي والحفاظ على الحرية، يعتمدان على العمل الجماعي. وفي الأيام المقبلة، لن تهدأ المعركة السياسية حول سقف الديون، والسيطرة على السلاح، والأمن القومي، والسياسات الضريبية التي يمكنها إما أن تقلل التفاوت في الدخل، أو أن تسمح لتفاوت من ذلك القبيل بخنق النمو والفرص الاقتصادية بالنسبة للجميع، ما عدا الأكثر ثراء في المجتمع الأميركي. ولكن أوباما، في خطابه الافتتاحي الثاني، تراجع عن تلك المعارك الفورية لشرح ما يعنيه أن نكون «نحن الشعب»، وهو وصف الرئيس الأميركي الأكثر بلاغة لتراثنا المشترك. وقال أوباما: «لطالما فهمنا أن تغير الزمن يحتم علينا أن نتغير أيضاً، وأن الإخلاص لمبادئنا التأسيسية يتطلب استجابات جديدة للتحديات الجديدة، وأن الحفاظ على حرياتنا الفردية يحتاج بشكل أساسي إلى عمل جماعي».
وقال أوباما إن التقدم في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك تحسين التعليم، وبناء الطرق، ورعاية الفقراء والمسنين، وتدريب العمال، وتجاوز الكوارث الطبيعية، والاستعداد للدفاع عن بلادنا، يتطلب أن يقوم الأميركيون بهذه الأمور معاً. وذلك ينطبق، حسب قول أوباما، على «الالتزامات التي نقدمها لبعضنا عبر برامج «ميدي كير»، و«ميديك إيد»، و«الضمان الاجتماعي»، ولا تقوض هذه الأمور مبادراتنا، وإنما تعززها، إذ إنها لا تجعلنا دولة من الآخذين، ولكنها تحررنا لنقوم بالمجازفات التي تجعل من هذه الدولة دولة عظيمة».
ورفض الرئيس أوباما أي جدال بأن الشعب الأميركي يمكن تقسيمه إلى مجموعات تتعارض مصالحها، قائلاً إن الخيار «ليس بين رعاية الجيل الذي بنى هذه الدولة وبين الاستثمار في الجيل الذي سيبني مستقبلها، لأننا نتذكر دروس ماضينا، حين شهدت البلاد سنوات من الفقر، ولم يجد آباء الأطفال المعاقين مكاناً ليلجأوا إليه. ونحن لا نعتقد بأن الحرية في هذا البلد محجوزة للمحظوظين، أو بأن السعادة محجوزة للقلة».
ويتمتع أوباما بما يكفي من الذكاء ليدرك أن ما يرغب في تحقيقه في فترته الرئاسية الثانية، يجب أن يتحقق خلال العامين المقبلين، بل ربما خلال الشهور الـ 18 الأولى. فهو، طوال فترته الرئاسية الأولى، تشبث بأمل التعاون بين الحزبين، حتى عندما بات من الواضح أن خصومه الجمهوريين لم يكونوا مهتمين بأي نوع من التسويات.
وقد أقر الرئيس الأميركي بأنه لم يزل هناك الكثير مما يتعين القيام به لدعم الانتعاش الاقتصادي، والاستثمار في التعليم وفرص الجيل المقبل. كما شدد، قبل كل شيء، على أهمية الطبقة الوسطى بالنسبة لصمود الاقتصاد الأميركي، وقال: «لا يمكن لبلادنا أن تنجح عندما تعيش قلة متضائلة حياة رغدة، في حين أن كثرة متنامية تعيش بالكاد».