عجز الخبراء العسكريون الأميركيون عن توقع انهيار مالي في مواجهة المتشددين، لكن الغرب ترك كل شيء يهترئ قبل سنوات من اعتقاد المرء، من خلال قراءته لتغطية الصحف اللاهثة، أن الولايات المتحدة قد اكتشفت مالي، فقط، بعد وصول المقاتلين المتشددين من ليبيا إلى هنالك أولاً، أو بدلاً من ذلك، أن تسريب وفشل الولايات المتحدة في تدريب القوات العسكرية لمالي، هو سبب تقريبي للمعاناة الحالية لشعب مالي والاستجابة العسكرية العدوانية التي قادتها فرنسا.. وفي كلتا الحالتين سيكون المرء مخطئاً.
على مدى قرن كامل، أكد القادة الأميركيون وغيرهم من قادة الغرب، أهمية مالي كمنارة للديمقراطية الإفريقية وحصن في الأمن الإقليمي. غير أن نموها الاقتصادي تراجع إلى لا شيء فعلياً، وانهارت حكومتها المدنية، الأمر الذي أدهش الغرب تماماً. لذلك، هل يمكننا حقاً إلقاء اللوم على مكافحة الإرهاب؟
كانت حكومة مالي المدنية السابقة، التي وصلت إلى السلطة لأول مرة في عام 1991، بعد ثلاثة عقودٍ من الحكم العسكري في فترة ما بعد الاستقلال، طفلاً محبوباً ومدللاً للديمقراطية الإفريقية. وفي العام الماضي، تمكنت مؤسسة ألمانية من نشر تقرير يفيد بأنه «يعتبر انتقال مالي للديمقراطية، إلى حد كبير، أحد أنجح المشاريع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى».
ولم تعد المساعدات الغربية لإضفاء طابع الديمقراطية سخيةً بعد الآن، إن كانت كذلك على الإطلاق، إلا أن مالي قد استفادت بشكل مطّرد منذ التسعينات. فقد تضمنت الأجندة خلال رحلة مع وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت: محادثات الإصلاح الاقتصادي، والمنح التعليمية للنساء والفتيات، ومراجعة تدريب القوات من أجل حفظ السلام الإقليمي، المتراجع بشكل مفجع الآن.
كافحت الحكومة المدنية في مالي ضد الفساد وعمليات التصحر والفقر وعدم القدرة على جذب الاستثمار، وهي تكافح أيضاً خليطاً عرقياً معقداً، على الرغم من أن 90% من السكان مسلمون، إلا أن البلد مقسم بين سكان شمال مالي ـ الطوارق، «العرب»، و«ذوو الأصول الأندلسية»، وجنوبها، من حيث الثقافة والبيئة والتاريخ. ولقد حلت الحكومة المدنية وبنجاح، عدداً من النزاعات العرقية، لكن اندلع العنف في الجنوب خلال الأعوام 1996 و2006 و2008.
إن المخاوف المتعلقة بالإسلام السياسي في شمال مالي، ليست أمراً جديداً كذلك، فقد حذر منه قبل ست سنوات المعلقون الخبراء، وكذلك أعضاء الكونغرس الأميركي مثل جين هارمان.
وذلك من خلال وضعها في لجنة الاستخبارات في مجلس النواب. والجماعة المعروفة حالياً في المغرب الإسلامي باسم «القاعدة»، التي تم تأسيسها في الجزائر كجماعة متشددة ذات اهتمامات إقليمية أكثر من أنها عالمية، أتت عبر الحدود في عام 2003، وبدأت بتأسيس نفسها من خلال عمليات اختطاف الأشخاص، والتجنيد والزواج من سكان الشمال، وكذلك من خلال إرهابهم.
سوف نكون نحن والماليين محظوظين لمشاهدة المتشددين وقد لحقت بهم الهزيمة، بهذه السرعة وبهذا الثمن البخس، وسترافق ذلك خسارة حياة قليل من المدنيين والغربيين. وبعدها، ستظل مالي إحدى أفقر وأقل دول العالم تطوراً.
وبدلاً من ذلك، ومع تمركز المتشددين وصعوبة إيجاد قوات لحفظ السلام، تميل أوقية الوقاية الخاسرة هذه، إلى التحول لسنوات من العلاج، مؤلمة وغير فعالة بالضرورة.