بينما تكافح الولايات المتحدة لفهم الهجوم الذي وقع في نهاية شهر سبتمبر الماضي على بعثتها الدبلوماسية في بنغازي، والذي أودى بحياة 4 أميركيين، بمن فيهم السفير الأميركي جي كريستوفر ستيفنز، فإنه لم يتم فتح تحقيق رسمي في ليبيا، وعلى الأرجح لن يفتح أبدا.

في حين فشل المجلس الوطني الانتقالي، وهو الهيئة الحاكمة المؤقتة التي حلت محل نظام القذافي، في إرساء الأساس لدولة حديثة، فإنه من السابق لأوانه إصدار حكم بالنسبة للقيادة المنتخبة التي تسلمت السلطة في شهر نوفمبر الماضي.

وسيكون الاختبار الحقيقي للتقدم من خلال الأمن. حيث أوضح هجوم بنغازي وعدم وجود استجابة ليبية موثوقة أن البلاد لا تخضع لسيادة القانون ولا هي في وضع يتيح لها فرضه. ويتوجب على الحكومة الجديدة تغيير هذا الموقف من خلال حل الميليشيات وإدماج أعضائها في قوات الأمن الليبية الرسمية.

وكخطوة أولى، يجب على الحكومة إيقاف معاملة الميليشيات برفق، والتركيز على بناء الجيش الوطني، وهو أمر أهمله المجلس الوطني الانتقالي. ومما لا شك فيه، أن إقناع الميليشيات بنقل ولاءاتهم للدولة هو أمر غير سهل، خصوصا بالنظر إلى قوة المقاتلين والروابط الأيديولوجية لوحداتهم الفردية. إلا أنها خطوة حاسمة نحو ترسيخ النظام وتعزيز شرعية الحكومة المنتخبة حديثا.

فعلى سبيل المثال، تعتبر الكتائب في شرق ليبيا (برقه) راسخة وبقوة في الأيديولوجية المتشددة التقليدية. وقد تم تنظيم المقاتلين في المنطقة في إطار وحدات قوية، وكمثال: لواء شهداء 17 فبراير، والقوة المتحالفة مع الحكومة التي انتدبت لحماية بعثة الولايات المتحدة في بنغازي، وقوة درع ليبيا التي نشرت، وعلى نطاق واسع، ائتلافا من الميليشيات التي ساعدت بعثة الولايات المتحدة في ليلة الهجوم.

وبالمقابل، تميل الميليشيات في غرب ليبيا (طرابلس) إلى الظهور في كل مدينة على حدة، مع وجود أقوى الألوية في مدينتي مصراته والزنتان. وتريد هذه المجموعات الانضمام إلى الأجهزة الأمنية كوحدات عوضا عن كونهم مقاتلين أفراد، وذلك للاحتفاظ بروابطهم الطائفية ، وبالتالي لمنع اندماجهم الكامل في الجيش الوطني.

يتذمر الليبيون من أن الحكومة الجديدة قد استمرت في اتباع سياسة المجلس الوطني الانتقالي المتمثلة في تفضيل الكتائب الثورية على الأجهزة الأمنية المؤسسية. وقد تدفقت جموع الليبيين المحبطين إلى الشوارع وهم يهتفون بشعارات مناهضة للميليشيات، وذلك بعد هجوم 11 سبتمبر في بنغازي. وبعد مرور 10 أيام، اقتحم محتجون قاعدة عسكرية لأنصار الشريعة، وهي ميليشيا إسلامية يشتبه في أنها العقل المدبر للهجوم، وذلك كجزء من حملة هجمات على مباني الميليشيات في جميع أرجاء المدينة.

وبعد ساعات قليلة من بدء المظاهرات فقط، أرسلت السلطات الحكومية رسالة نصية شاملة حضت المتظاهرين على العودة إلى منازلهم، وأضافت أن: "لواء السحاتي، ولواء 17 فبراير، وقوة درع ليبيا، كلها قانونية وتخضع لسلطة هيئة الأركان العامة". وأكد الرئيس الليبي محمد المقريف هذا الرأي في وقت لاحق.

ورداً على ذلك، انتقد عضو سابق في المجلس الانتقالي أن الحكومة "قد أضاعت فرصة الإجهاز على جميع الميليشيات".

ولن يكون للميليشيات حافز لحل نفسها، وذلك بوجود التمويل الأجنبي الوافر والمعاملة التمييزية من جانب الحكومة. وزيادة على ذلك، فهي قلقة من تسليم السيطرة على ألويتها إلى قادة الجيش الذين يزعمون دعمهم للقذافي أو على الأقل عدم معارضته.

وبينما ليس هنالك نقص في التحديات التي تواجه حكومة ليبيا الجديدة، فإنه يتوجب أن يكون حل الميليشيات في أعلى أجندتها. وإلا لن يتم إنجاز المطامح التي دفعت الثورة المناهضة للقذافي، وهي وضع حد للظلم وتحقيق الاستقرار والازدهار المشترك.