وصلت الثورة في مصر، تماماً، وبعد نحو عامين، إلى تلك النقطة التي حاولت تجنبها وبأي ثمن، وهي انقسام عميق وربما لا يمكن التغلب عليه، بين قوتين تدعيان أنهما الوريثتان الوحيدتان لها. وقد قال مؤيدو الرئيس المصري أنه بعد شهر من أعمال الإعاقة المتعمدة، من مقاطعة وتأجيل، ومحكمةٍ دستورية على وشك إبطال كل أفعاله، لم يكن أمامه خيارٌ سوى تمرير مسودة نهائية للدستور.
والذي يقلص سلطاته كرئيس، والذي سيكون، على أية حال، موضعاً للاستفتاء. واتحد معارضوه- العلمانيون، والليبراليون، والمسيحيون- كما لم يسبق لهم من قبل، ضد ما يرون أنه اختطاف للسلطة، وأطلقوا صرخة: "ارفعوا أيديكم عن ثورتنا". ويستطيع كلا الجانبين حشد ألوف الناس في الشوارع.
كما رأينا، مؤخراً، وسنرى ذلك مجددا. أصبحت العملية مثيرةً للنزاع أكثر من النتيجة، وهذه هي النقطة الأولى التي يجب طرحها، حيث وصفت منظمة حقوق الإنسان، "هيومن رايتس ووتش"، مسودة الدستور بأنها معيبة ومتناقضة، لأنها تتضمن أشكال الحماية الأساسية ضد الاعتقالات التي تحصل بطريقة تعسفية، لكنها فشلت في إنهاء المحاكمات العسكرية للمدنيين. ولاحظت المنظمة أن المسودة النهائية أسقطت النص على أن تحقيق المساواة للمرأة ينبغي أن يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وهو نص يروج له السلفيون، ومع ذلك، هناك بعض الصياغات العريضة التي تسوغ القيود على حقوق الإنسان الأساسية، والتي يظهر أنها تضع "الطبيعة الحقيقية للعائلة المصرية" في موضع أعلى من هذه الحقوق. إنه نص مختلط، والكثير من مثل هذه المناقشات يتوقف على التفسيرات المستقبلية، ولكن هل تستحق هذه المسودة انسحابات، وشهورا من الركود، أو حتى قراراً من المحكمة الدستورية يبطل لجنة صياغة الدستور نفسها؟
ليس من الواضح أنها تستحق ذلك. فليس بمقدور دولة، ناهيك عن دولة مفلسة، تحمل دوامة لا نهائية من قرارات المحاكم الحزبية. ولا شك أن الإبطال الأصلي للمحكمة الدستورية لكامل مجلس الشعب الذي يهيمن عليه الإسلاميون، قد تناسب مع أغراض المجلس العسكري الأعلى، عندما كان الاعتراض على ثلث المقاعد فقط.
ولم يحدث شيء لنفترض عدم إبطال المحكمة للجمعية التأسيسية التي تم تأسيسها من قبل مجلس الشعب، وإبطال المسودة كذلك. لقد نسي كلا الطرفين ما حدث قبل 22 شهرا مضت، عندما نسي المصريون هويتهم الطائفية وهم يدخلون ميدان التحرير، ورفعوا العلم الوطني بدلاً من ذلك. ويحتاج أولئك الذين يدعون أنهم ديمقراطيون، وباسم ذلك العلم، إعادة اكتشاف فن الحل الوسط الذي طواه النسيان طويلا. قد يتم اختصار رسالة الأيام الأخيرة الشاملة في: "أنا مرسي، القوي جدا. وفي تصرفي الأول في ضوء قوتي الشاملة، أعلن أني لا أزال أكثر قوةً، لكن لا تقلقوا فهي لفترةٍ محدودة فحسب"، وذلك أياً كان مدى الرغبة في هذه القرارات.
وإذا ما فشلت هذه القرارات، فقد يكون تحول مرسي على غرار القائد الروماني "سينسيناتي"، الذي تخلى عن السلطة بعد تحقيقه لانتصاراته في الحروب، هو أفضل أمل لمصر في الديمقراطية. وربما سيقوم باستخدام صلاحياته لحماية نهج سيبني أداءً ديمقراطيا ونظاماً تعدديا، وهذا ليس أمراً مستحيلا، ولكنها طريقة فظّة لبناء ديمقراطية.