يتفق مع طبيعة صراع كالذي رأيناه أخيراً في غزة، أنه كلما اقترب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، غدا الاقتتال أكثر احتداماً، وتدور التساؤلات بعد التوصل إلى الهدنة، عن إمكانية صمودها طويلاً.
وقد تابع العالم المشهد في غزة، فيما كان الألوف من أبناء القطاع يحتمون بمقار المدارس التي تديرها الأونروا، بينما تتساقط عليهم المنشورات من الطائرات الإسرائيلية تطالبهم بإخلاء المناطق الحدودية. ويعقب ذلك انهمار القذائف الإسرائيلية على المدنيين بلا تمييز، في إطار العملية التي شنتها إسرائيل بهدف تقليل نطاق قدرة حماس العسكرية.
يقول المحللون إنه بمقدور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو القول إن جلعاد شاليط قد عاد إلى عائلته، وأن الرجل الذي أشرف على اعتقاله هو أحمد الجعبري قائد الذراع العسكرية لحماس وقد لقي مصرعه، كما يمكنه القول إنه قد استنفد مخزون الصواريخ في غزة، وأن نظام الدفاع الصاروخي "القبة الحديدية" قد برهن على قدرته.
لكن حماس لديها ما تطرحه، وهو النقيض من ذلك تماماً، فبمقدورها أن تقول إن صواريخها قد برهنت على قدرتها على الوصول إلى معظم مدن إسرائيل، بما في ذلك القدس وشمال تل أبيب.
كما يمكنها تأكيد أن مقاتليها، الذين لم يستطع القصف الإسرائيلي الأولي اكتساحهم، قد واصلوا إطلاق نيرانهم حتى نهاية هذه الجولة الدموية.
وعلى الصعيد الداخلي، فإن حماس قد أعادت تأكيد دورها باعتبارها المقاومة الرئيسية للاحتلال، وهو دور كانت تنازعها عليه فصائل منافسة أخرى في قطاع غزة.
وفضلاً عن ذلك، فإن وقف إطلاق النار قد أسفر عن كسب ملموس لحماس، يتمثل بفتح معبر رفح الحدودي مع مصر أمام السلع التجارية والمدنيين، وهذا يعني أن حصار غزة الذي فرضته إسرائيل بدعم من المجتمع الدولي، قد ولى إلى غير رجعة.
والأمر الأكثر أهمية بالنسبة لحماس، يتمثل في المكاسب السياسية التي حققتها خلال فترة القتال الدموية، حيث تدفقت صور رئيس الوزراء المصري ووزير الخارجية التركي وهما يمسكان بجثامين الشهداء من أطفال غزة، لتنتشر في جميع أجهزة الإعلام على امتداد العالم، بالإضافة إلى الزيارات والتأييد من جاب الجامعة العربية.
من الذي كان على صواب؟ إن مكاسب نتانياهو لا تعدو أن تكون تكتيكية وقصيرة الأمد.
ومع سريان الهدنة، فإنه حقق مطلباً واحداً من مطالبه الثلاثة التي طرحها على القاهرة، وهو أن تكون حماس مسؤولة عن ضمان وقف إطلاق النار من جانب كل الفصائل المسلحة في غزة. ولكنه لم يحصل على مكسبه الخاص بامتداد اتفاق الهدنة إلى نطاق زمني محدد بوضوح، أو إقامة منطقة عازلة.
في المقابل، فإن مكاسب حماس هي مكاسب استراتيجية، حيث إنه ليس من المبالغة القول إن الحركة مضت في غضون أيام القتال من العزلة إلى تحقيق الوحدة في العالم العربي.
ولكنها حققت بالفعل فوزاً دبلوماسياً هائلاً، وإذا كان وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ قد اعترف أخيراً بالائتلاف السوري المعارض باعتباره الحكومة السورية الشرعية، فإن حماس قد اقتربت في عيون العالم العربي من أن تحتل وضعية مماثلة باعتبارها الحكومة الفلسطينية المقبلة.