يصعب النظر إلى صور الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا في القصف الإسرائيلي على غزة أخيرا، ويتعذر بشكل أكبر الحديث عن هذا الموضوع. ولكن هل يمكن أن تتحدانا هذه الصور لنتحرك مستجيبين لشعورنا بالغضب الجامح؟
دعنا نبدأ على مهل وبعناية بما يمكن أن يقال. فهذه الصور التي نشرت أخيرا تظهر أربعة أطفال صغار وقد مددت جثامينهم على سطح معدني بارد في المشرحة، ووضعت هذه الجثامين بطريقة يبدو معها الأطفال كما لو كانوا ينامون معا. هل هذه الصور حقيقية؟ أم أن موضوعاتها أعدت لتبدو هكذا؟ إن المرء يحتاج إلى أن يحول دون تدفق مشاعره على الأقل للحظة واحدة.
كانت صور سابقة قد جاءت من وكالات عدة موثوقة، وتظهر هؤلاء الأطفال خلال انتشال جثامينهم من قلب الحطام، وتظهر صور أخرى أطقم المصورين وهم يشاهدون هذه الواقعة نفسها.
وقد رافق المصورون والإعلاميون الجثامين إلى المشرحة، وأولئك الذين تدربوا على رصد المفارقات في هذه النوعية من التقارير يعتقدون أن هذا التقرير متكامل ويعكس مصداقية واضحة، و يخلصون إلى تأكيد أن الصور حقيقية. وما إن أن يتم قبول ذلك ، حتى يشعر المرء على الفور بما يتجاوز عدم الارتياح حيال أن صدقية هذه الصور قد تم التشكيك فيها إطلاقا.
هكذا فأمامنا هذه الصور الحقيقية ، ونحن بإزاء أطفال استشهدوا وارتقوا بفعل صواريخ إسرائيلية متطورة ، بينما كانوا لا يزالون في ثياب النوم، ونوعية الملابس التي تناسب اللعب في الشارع. وقد اختارت أجهزة الإعلام الغربية ألا تعرض هذه الصور، ولكنها انتشرت في مختلف أجهزة الإعلام في الشرق الأوسط. فهل هذا خلاف ثقافي فيما يتعلق بالموت؟ أو حساسية من أن صور الأطفال القتلى قد تؤذي مشاعر أطفالهم، ويسهل توظيفها كسلاح سياسي؟
ما من شيء يمكن أن يعبر عن فظاعة الحرب بجلاء بالغ أكثر من مثل هذه الصور، وقد كانت ردود الفعل الأولى لعرضها عفوية وانفعالية، كما لو أن المرء لا يعرف كيف يتعامل مع التغير الانفعالي الذي طرأ على جسمه.
إذن ما الذي سيفعله العالم حيال هذا كله؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه هذه الصور على وجه الدقة في مواجهة العالم بأسره، وهذه الصور تجعل هذه التجربة بالنسبة لكل من يشاهدها بأنها تتم معايشتها بالفعل باعتبارها تجربة شخصية، وعلى أساس أنها تشكل تحديا مباشرا.
إن التزام الصمت ليس إلا آلية للتواري، التي يمكن أن تكون في أشكالها المتطرفة شكلا مراوغا من أشكال التواطؤ . فهذه الصور تستدعي كل من يشاهدها للخروج من حياته العادية. ولكن إلى أين؟ الله وحده أعلم. هل تضخم هذه الصور غريزة انتقام أم غريزة إقرار للسلام؟
وكما أشارت الكاتبة سوزان سونتاغ في مؤلفها بعنوان "حول آلام الآخرين"، فإن صور الفظائع يمكن أن تثير في نفوس الجمهور الذي يتلقاها ردود أفعال متضاربة.