إن عملا متطرفا مثل اغتيال إسرائيل لأحمد الجعبري قائد الذراع العسكرية لحركة حماس الفلسطينية، تترتب عليه عواقب متطرفة بالمثل، وهذه العواقب هي التي يتعرض لها قطاع غزة الآن، حيث يبدو في الأفق ترديد للتحذيرات من أنه لم تعد هناك خطوط حمراء.
ويرى المراقبون الدوليون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير حربه إيهود باراك، من المفترض أنهما أخذا في الاعتبار مثل ردود الفعل المحتدمة هذه، عندما أطلقا هجومهما على غزة. وربما كانا قد استبعدا إمكانية تحقق التصريحات التي أدلى بها قادة حماس.
ويحفل تاريخ حروب الشرق الأوسط، وعلى وجه التحديد صراعات إسرائيل القريبة (عملية الرصاص المصبوب في غزة 2008، والهجمات على لبنان 2006)، يحفل بعمليات إساءة تقدير حول قدرات "العدو" وقدرته على التسبب في ألم حقيقي، وطول الوقت اللازم للتصدي له.
وقد كانت عملية "الرصاص المصبوب" التي أسفرت عن قتل 1400 فلسطيني و13 إسرائيليا، هدفا دنيئا يرتدي ثوب النصر، ترتبت عليه عواقب دبلوماسية وسياسية دائمة وقاسية بالنسبة لإسرائيل، دون أن تحقق هدفها العسكري الأولي، وهو انتزاع مخالب حماس.
وفي ضوء ذلك، فإن المقاومة الفلسطينية بعد الصدمة الأولى، سوف تزداد وتنمو لا أن تتراجع، غير أن الأمر الذي لا يتسم بالوضوح، كما كانت عليه الحال في 2008، هو المدى الذي يستعد القادة الإسرائيليون للمضي إليه في مواصلة القتال ضد غزة، وأين يحتمل أن ينتهي هذا القتال، وما الذي يشكل نجاحا بالنسبة لهم؟ هل يقتضي الأمر غزوا بريا كما ألمح البعض؟
إن دفق التصريحات الذي أعقب مصرع الجعبري، يشير إلى أن صراعا مفتوحا ربما يكون قد اندلع. ومصرع 3 من المدنيين الإسرائيليين بصاروخ تم إطلاقه من غزة، أفلح في تجنب بطاريات "أيرون دوم"، لم يتبع السيناريو الذي أعده نتانياهو-باراك.
وفي ضوء تعلم باراك من أخطاء الماضي، فإنه حدد أهداف العملية هذه المرة، حيث قال إن إسرائيل قد سعت إلى تقوية الردع واستنزاف بنية حماس الصاروخية الأساسية، والإضرار بالحركة ومنظمات المقاومة الفلسطينية الأخرى، وتقليل الضرر الذي تتعرض له إسرائيل.
ولكن إذا تم النظر عن كثب إلى هذه الأهداف الغامضة، فإنه سرعان ما يتبين أن من الصعب تحديدها كاملة إلا بأوسع المعاني، وقد أقر باراك بذلك، بقوله "هذه بداية حدث وليست نهايته، والجيش الإسرائيلي سيواصل ضغطه الذي لا هوادة فيه، مع التهديد الصامت بشن عملية برية إذا قصفت حماس والجماعات الأخرى مناطق إسرائيلية استراتيجية".
ويلاحظ المراقبون أن الضوابط السابقة التي كانت مفروضة في الماضي على سلوك نتانياهو غائبة هذه المرة، فليست هناك عملية سلام بادية للعيان، وليست هناك مشاركة أميركية نشطة، و"المعتدلون العرب" غائبون عن الحركة.