من قدر له أن يتجول في العاصمة الصومالية مقديشو، في الآونة الأخيرة، ما كان ليسعه سوى أن يندهش. فالشوارع تعج بالناس الذين يمارسون حياتهم اليومية، وتزدهر عملية الإعمار في كل منطقة سكنية تقريباً، تغذيها الاستثمارات من الشتات الصومالي (وربما من المكاسب غير المشروعة للقراصنة). ضباط الشرطة ذوو القمصان البيضاء جيدة الكي، يديرون المرور في الشوارع، وهي ظاهرة مرتبطة بالعودة إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء الصراعات الكثيرة، والعمال كانوا يصلحون الخطوط الكهربائية.
ومن يقضي ساعة للتحدث مع حسن شيخ محمود، الأكاديمي والناشط المدني منذ فترة طويلة الذي انتخب مؤخراً رئيساً للبلاد، سوف يعتقد أن الصومال تسير على الطريق إلى مستقبل أكثر إشراقا. ربما يتذكر الكثيرون عملية الإطاحة التي جرت في عام 1991 وما لحقها من اغتيال للرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري، الذي أدخل البلاد في أتون حرب أهلية، ومن ثم في حالة الفوضى.
فقد عمدت الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى نشر قوات للمساعدة في تحقيق قدر من الاستقرار ووقف المجاعة، وجلبت هذه الجهود تحسناً سريعاً في الوضع الإنساني، ولكنها جلبت أيضاً حادث سقوط الهليوكوبتر "بلاك هوك" في أكتوبر 1993، عندما قتل 18 جندياً أميركياً.
وبات مئات الصوماليين و160 جندياً من جنود حفظ السلام الذين لقوا حتفهم أيضاً خلال الصراع الصومالي، هم الأقل ذكراً. وقررت الولايات المتحدة والأمم المتحدة سحب قواتهما، وتركتا الصوماليين ليواجهوا المستقبل بأنفسهم.
ليس الأمر كذلك تماما، فالأمم المتحدة لم تترك الصومال أبداً. فرغم الوضع المأساوي، ظل موظفو الأمم المتحدة يمارسون مهامهم، المتمثلة في تقديم المساعدة بحسب ما تسمح به الظروف الأمنية والتمويل من الجهات المانحة، ويخاطرون بحريتهم وحياتهم في كثير من الأحيان.
ولم يعايش معظم الصوماليين ممن هم في بدايات العقد الثاني من أعمارهم، أي شكل من أشكال الحكم. وعاث القراصنة فساداً على اليابسة وفي البحر، دون خوف من الاعتقال، والإرهابيون الأجانب حشدوا البائسين لصالح قضيتهم، واندلع قتال لا نهاية له، مع تحول الصراع من حرب أهلية إلى صراع يخوضه قادة الحرب.
ومن ثم إلى المتطرفين الذين يتنافسون على السلطة، كل ذلك على حساب الصوماليين العاديين. على امتداد فترة طويلة جداً، بدا هناك أمل ضئيل في أن يحرر الصومال نفسه من هذا المستنقع. لكن الوضع تغير، فقد أرسل الاتحاد الإفريقي، بقيادة أوغندا وبوروندي بالإضافة إلى كينيا التي انضمت في وقت لاحق، قوة لمكافحة ميلشيا حركة "الشباب" المتطرفة.
وهي جماعة مرتبطة بتنظيم القاعدة. وبدعم لوجستي واسع النطاق من الأمم المتحدة ومن خلال تضحيات كبيرة، قاتلت بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال لفترة طويلة وشاقة، من أجل طرد حركة "الشباب" من مقديشيو. كذلك تواجه حركة "الشباب" مطاردات وسط الصومال وجنوبها، وهما المنطقتان اللتان هيمنت عليهما طويلاً. وتم طرد عناصرها أخيراً من آخر معقل لهم، وهو ميناء كيسمايو.