لماذا حصدت حركات «الإسلام السياسي» الحصة الأكبر من مغانم الثورات الشعبية في الشرق الأوسط؟ وراء ذلك جملة من الأسباب، نختصرها دون توسع أو استطراد، بالتأكيد على أن حركات «الإسلام السياسي» هي الأفضل تنظيماً، بل إن الانضباط التنظيمي الصارم هو جزء من تقاليد وأساليب الجماعات الإسلامية، وتوظفه ببراعة وكفاءة، فضلاً عن أنها تمتلك القاعدة الشعبية الأوسع بين عامة الشعوب، من القوى السياسية والحزبية التقليدية.
لهذا كانت الأقدر على استثمار الحراك الجماهيري، ومكّنها ذلك من مراجعات سريعة لبرامجها وخطابها الإعلامي، والالتزام بداية بالسقف السياسي والمطلبي للقوى المحركة للشارع، وتجنب تمييز أنفسها بشعاراتها الخاصة في التظاهرات والاعتصامات، بفعل اعتبارات الضرورة التي تمليها المصلحة والواقع. كما تمتعت حركات «الإسلام السياسي»، دون غيرها من القوى والأحزاب الأخرى في بلدان الثورات، بدعم مالي قوي من مواردها الذاتية ومن أطراف خارجية غير معروفة حتى الآن.
في المقابل، افتقرت التجمعات الشبابية التي فجرت الثورة ولعبت دور المحرك لها، إلى التنظيم والخبرة، وتحويل طاقتها إلى حضور شعبي مستدام، يعطيها وزناً في صناديق الاقتراع يوازي وزنها في الشارع. وحدَّ قِصر فترة التحضير للانتخابات من فرصة تلك التجمعات في تنظيم وتأطير نفسها في بنى حزبية تخوض من خلالها الانتخابات، بالإضافة إلى أنها لم تستطع أن تضع برامج موحَّدة، أو متقاربة، لمستقبل بلدان الثورات ونظامها السياسي، ما أدى إلى تفتت المطالب الثورية وتشعبها، ومثالها الأبرز الحالة المصرية.
ماذا عن المستقبل؟ لقد أطلقت الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن عجلة التغيير، وفتحت الأبواب أمام حركات «الإسلام السياسي» للعمل بشكل قانوني وعلني، لكن التجارب السابقة لـ«الإسلام السياسي» في الحكم لم تكن مشجعة، وهي اليوم في بلدان الثورات محكومة بأزمات سياسية واقتصادية خانقة، تهدّد بالفشل.
وإذا كانت حركات «الإسلام السياسي» العربية مدعوة في اللحظة التاريخية للعب دور حاسم في إنجاح شروط الانتقال الديمقراطي، وليس العمل على إضعافها، إلا أن توظيف الدين في الخطاب السياسي والممارسة العملية يجري في اتجاه معاكس، يثير مخاوف فئات شعبية واسعة من إنتاج التجارب التاريخية السابقة التي أنتجت أنظمة مستبدة.
لقد أنقذت الثورات حركات «الإسلام السياسي» من مأزق تاريخي، لتضعها في مأزق آخر، حيث عليها إثبات أن الوصول للسلطة ليس هدفها الأسمى، بل إقامة نظام سياسي جديد، يحترم الديمقراطية والتعددية وحقوق المواطنة والتداول السلمي للسلطة. ويتطلب الأمر جهوداً حثيثة للتوفيق بين متطلبات بناء الدولة المدنية وأيديولوجيات أحزاب «الإخوان المسلمين» والسلفيين، وإلا ستتحول تلك الأحزاب من رابح أكبر في الثورات العربية إلى خاسر أكبر على محك السلطة.