بدا اقتحام القنصلية الأميركية في بنغازي ومقتل السفير الأميركي هناك، بعد أربع وعشرين ساعة من حدوثهما، أكثر ترجيحا لأن يساعدا حملة إعادة انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما من أن يلحقا الضرر بها. وبالفعل، فقد تمتع البيت الأبيض بمصداقية عامة في ما يتعلق بالسياسة الخارجية أكثر من أي مسألة أخرى تقريبا.

 وحين رد المرشح الرئاسي الجمهوري ميت رومني على الهجوم بانتقادات حزبية، مصورا بيانا صحافيا كانت السفارة الأميركية في القاهرة قد أرسلته قبل اندلاع أي عنف على أنه اعتذار من جانب البيت الأبيض للمهاجمين، بدا طريق الرئيس الأميركي إلى الأمام واضح المعالم. فكان من شأنه أن يكون منضبطا وحذرا، وأن يظهر الغضب والصلابة، إلى جانب الهدوء تحت الضغط، ويسمح لتأثير "الالتفاف حول العلم" بأن يقوم بعمله الطبيعي.

ولكن ما حدث بدلا من ذلك كان غريبا جدا. إذ أن إدارة أوباما، بعد تنصلها من اعتذار السفارة للمسلمين الذين شعروا بالإهانة بسبب فيلم يسيء إلى نبيهم، قررت تبني منطلق ذلك الاعتذار، والإصرار على أن الفيلم كان العنصر الرئيسي في العنف الذي وافق ذكرى أحداث 11 سبتمبر.

وعلى امتداد أيام بعد الهجوم، ومع اتضاح أن أعمال العنف في بنغازي كانت عملية نظمتها القاعدة، ولم تكن احتجاجا، واصل مسؤولو البيت الابيض التأكيد على أهمية الفيديو "المثير للاشمئزاز" و"البغيض"، ودوره المفترض كمحفز لما أصرت سوزان رايس، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، على أنه كان هجوما عفويا.

وقد تم الترويج لهذه الرواية في برامج صباح الأحد، والبرامج الحوارية المسائية، والمؤتمرات الصحافية. وعندما تحدث أوباما في الأمم المتحدة بعيد الهجمات، ذُكر الفيديو ست مرات في النص، فيما لم يُذكر تنظيم القاعدة سوى مرة واحدة.

وفي نهاية المطاف، سمح البيت الأبيض للفيديو بأن ينزلق بهدوء من خطابه العام، وركز على الإرهاب عوضا عن ذلك. ولكن كل ما برز بخصوص بنغازي منذ ذلك الحين بدا أكثر إدانة بسبب الإنكار الغريب الذي مارسته الإدارة في البداية. فالتحذيرات التي تم تجاهلها، ونقاط الضعف الأمنية، والكشف عن التفاصيل بالتنقيط، كلها كان سيتم تلقيها بشكل مختلف لو أن البيت الابيض يتصرف كما لو أنه كان سيخسر شيئا كبيرا لو دعا الإرهاب إرهابا.

فما الذي يفسر هذه الاستراتيجية التي تهزم نفسها بنفسها؟ أحد الاحتمالات هو أن تهمة "جولة الاعتذار" التي وجهها رومني مرارا صحيحة، وأن هذا البيت الأبيض لا يستطيع مقاومة الرغبة في إرضاء أعدائنا متى تعرضت أميركا للهجوم. ولا ينبغي لمن شاهد مؤتمر الحزب الديمقراطي أن يشك في ارتياح أوباما للف نفسه بعباءة الحرب على الإرهاب.

والخبر السار الوحيد بالنسبة لأوباما في هذه الفوضى يتمثل في الحقيقة القائلة إن رومني، الحريص على إظهار القسوة دائما، لم يهاجم القرار الأصلي بشن حرب في ليبيا، أو يربط التدخل نفسه بتقدم القاعدة في شمال افريقيا.