لم يكن هناك أثر للدولة المصرية لا للشرطة ولا للجيش حين تعارك المعارضون الليبراليون والاشتراكيون للرئيس المصري محمد مرسي ومؤيديه من الإخوان المسلمين، على امتداد ساعات عدة، في أعنف اشتباك بين التيارين العلماني والإسلامي، منذ الثورة التي خلعت الرئيس المصري السابق حسني مبارك قبل 20 شهرا. وقد أصيب أكثر من 100 شخص في هذا الاشتباك.

وكان المتظاهرون في شارع طلعت حرب، الذين منعوا من دخول ميدان التحرير من قبل تجمع من رماة الحجارة المؤيدين للإخوان، مفعمين بالغضب. وقد خططوا طويلا لهذه المظاهرة بدافع السخط على الأيام المئة الأولى من رئاسة مرسي، واحتجاجا على ما يعتبرونه إجراء معيبا ومتسرعا لصوغ دستور جديد، حيث يعتبرون أن جماعة الإخوان المسلمين المهيمنة الآن قد اختطفت إجراءات صوغ الدستور.

فهل تحول ذلك الحلم المجيد بالحرية والديمقراطية وسيادة القانون، كما يحدث لمعظم الأمور، إلى الغبار الذي يلف القاهرة؟

لقد شعر الليبراليون بالمرارة بأسرع مما ينبغي. وهم يزدرون بشدة المسار الذي سلكته مصر خلال ال20 شهرا الماضية من خلال أكثر من نصف دزينة من الاقتراعات الوطنية ومواجهة مريرة بين الجيش والمدنيين وهي أحداث ربما قلبت مصر، ولكنها أسفرت عن سيادة المدنيين، وأداء ضباط دربتهم الولايات المتحدة التحية العسكرية لرئيس إسلامي، واستمرارية استقرار هش.

ولكن هل تنذر المتاعب المستمرة التي تعاني منها أكبر الدول العربية بانهيار وشيك أو بالعنف الحتمي الذي يصاحب مخاض الحرية؟ وهل يستطيع مرسي، القادم من جناح الإخوان المحافظ والمنتخب ب51.7٪ من الأصوات، أن يقنع ال48,3٪ المتبقية من المصريين بأنهم، هم الآخرون، لهم مكان في مصر الجديدة؟

وهذه الأسئلة بدورها تطرح سؤالا آخر على الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب: هل ينبغي لها أن تكرس المال والدعم اللذين تشتد الحاجة إليهما لتجربة مرسي التاريخية في التوفيق بين الإسلام والمجتمع المفتوح، أو أن تخلص إلى أن أي محاولة من هذا القبيل ستجهض، وتصب مجددا لصالح مستبد علماني ما، سواء أكان يرتدي زيا عسكريا أم لا؟

لقد ارتكب مرسي بعض الأخطاء.إلا أنه أظهر براعة في تحاشي الجيش، وشجاعة في إدانة جرائم بشار الأسد، وشعورا قويا بالحاجة إلى الرؤية الكلية بالنسبة للمسؤولين الغربيين الذين يتعاملون معه. وتواجه تلك الغريزة اختبارها الأكثر حسما في النقاش حول صوغ دستور جديد.

وليست الحرية بالجملة التي يحولها إليها الآن بعض الليبراليين المصريين. والديمقراطية ثمينة على وجه التحديد لأنها هشة وغير قابلة للتنبؤ بمساراتها. ويتعين على الغرب - بعد الجزائر وغزة وعقود من النفاق التي تغاضى خلالها عن أمثال الأسد أن يدعم مرسي ليكون أفضل مما أشار إليه العنف الذي شهدته مصر أخيرا.

وينبغي على مرسي أن يثبت أنه أفضل فيما يتعلق بالدستور، وإلا فإن معركة ميدان التحرير ستنذر بالأسوأ.