تعد الأحداث التي شهدتها الحدود السورية التركية أخيراً، في أعقاب سقوط قذائف سورية على بلدة أكجاكالي التركية الحدودية، بمثابة تحذير من الأخطار الشديدة الكامنة في الموقف الحالي. تسلسل الأحداث أصبح ثابتاً الآن؛ قذائف أطلقها العسكريون السوريون سقطت على قرية تركية، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وتدمير عدد من المباني.. ردت تركيا بقصف منطقة داخل سوريا، وهو ما يعتبر أولى الحوادث المسجلة عبر حدود البلدين منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. والخطر يكمن في أن هذه الأحداث بين البلدين، قد لا تكون الأخيرة.
فقد عقد البرلمان التركي اجتماعاً طارئاً، وأجاز للحكومة التركية هجمات عبر الحدود في حال تعرض البلاد للمزيد من الاعتداءات. حلف "الناتو"، الذي تمثل تركيا عضواً كاملاً فيه، أدان سوريا وحذر من تكرار هذه العمليات. وأشار مجلس الأمن الدولي أيضاً إلى ما وصفه بـ"الأثر الوخيم على الأمن والسلم في المنطقة"، وذلك في بيان تم تخفيف صياغته من قبل روسيا.
إن النتيجة الإيجابية الوحيدة التي يمكن استخلاصها من هذه الأحداث، هي أن جميع الأطراف تدرك تماماً المخاطر المحتملة، وتتخذ خطوات للتراجع عن حافة الهاوية. وبذلك فقد اختار "الناتو" ألا يوظف هذه المرة المادة الخامسة من ميثاقه.
والتي تنص على أن أي هجوم مسلح على أي دولة عضو في الحلف يعتبر اعتداءً على أعضاء الحلف كافة. ولم تلح تركيا على "الناتو" لاستخدام تلك المادة من الميثاق، وتقدمت سوريا باعتذار عما وصفته بأنه "حادثة مأساوية". ووعد البيت الأبيض بمساعدة تركيا لدى الأمم المتحدة، انطلاقاً من حرصه على تجنب حدوث ما قد ينغص الانتخابات الرئاسية المزمع أجراؤها الشهر المقبل. وبذلك تم إغلاق القضية عند هذا الحد، وسط خشية من تكرارها.
ومع زيادة العنف احتداماً في بعض المناطق السورية، فإن الاشتباكات على الحدود مع تركيا، سواء من دون قصد أو في إطار مطاردة المقاتلين من المعارضة السورية الذين يحتمون بتركيا، قد أصبحت أمراً تصعب الحيلولة دون وقوعه. الأمم المتحدة غير قادرة، أو غير راغبة، حتى الآن في التدخل لوقف الحرب الأهلية في سوريا. لكن الخطر الحقيقي الآن يكمن في احتمال انتشار الصراع إلى خارج الحدود السورية، وبالتالي التسبب في اندلاع حرب على المستوى الإقليمي.
تأخر تدخل المجتمع الدولي أفضل من ألا يأتي أصلاً، وهذه هي النقطة التي يتعين عندها على روسيا والصين الوقوف على أرضية مشتركة ضمن القوى الخمس الكبرى، وإلا سوف تتحملان مسؤولية ما سوف يحدث بعد ذلك.
فهل ستؤدي هذه الأحداث إلى تغيير في ميزان القوة في صميم المنطقة؟ لقد ظلت سوريا مع قوة إقليمية أخرى، زعيمتين على مدار السنوات العشر الماضية، فيما يسمى "تكتل المقاومة"، وهي مجموعة كانت تدعم الفلسطينيين وتناهض الائتلاف الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي أدى إلى تحالف بين دكتاتوريات عربية وإسرائيل.
وكان هذا التحالف المناهض للولايات المتحدة في أوج نفوذه بين عامي 2006 و2010، بعد الغزو الأميركي الفاشل للعراق وحرب إسرائيل على لبنان وغزة، ولكن الأوضاع تغيرت تماماً في المنطقة. وبدلاً من القتال في سوريا حتى النهاية، التي يبدو أنها بعيدة، فإن مؤتمراً للسلام يضم كل الأطراف المعنية، قد يكون الطريقة الوحيدة لإنهاء الحرب السورية.