يجمع المراقبون على أن تركيا لن تشهد مزيدا من الانقلابات مستقبلا، فقد تم أخيرا إجبار الجيش التركي على الإذعان لحكومة منتخبة بشكل ديمقراطي.
في 21 سبتمبر الماضي، أصدرت محكمة تركية حكمها على 330 شخصا، كلهم تقريبا من ضباط الجيش، بالسجن مدى الحياة لضلوعهم في مؤامرة انقلابية في عام 2003. وكان من بينهم رؤساء الجيش والبحرية والطيران الذين حكم على كل منهم بالسجن 20 عاما، وكذلك 6 جنرالات غيرهم، فيما تمت تبرئة 34 ضابطا.
قبل 5 سنوات لم يكن بمقدور أحد في تركيا أن يتخيل شيئا كهذا، فقد كان العسكريون فوق القانون، وكانوا مكلفين بمهمة مقدسة (على الأقل في أذهانهم) تتمثل في حماية الدولة التركية العلمانية من أن تتعرض للتقويض على يد أناس يخلطون بين الدين والسياسة. وكان القيام بانقلابات ضد حكومات تتجاوز هذه الأرض المحظورة جزءا من مهمتهم.
كان هذا هو الواجب الذي اعتقد الضباط الـ330 أنهم يؤدونه في 2003 بحسب الاتهامات الموجهة إليهم، وكان حزب العدالة والتنمية، وهو حزب إسلامي معتدل، ينادي بقيم اجتماعية محافظة، قد وصل إلى السلطة عقب انتخابات 2002. وقد اعتقد العسكريون أن الناخبين أخطأوا وأن خطأهم يتعين إصلاحه.
ومع تزايد عداء الرأي العام في الداخل والخارج للانقلابات العسكرية، كانت الحاجة ماسة إلى ذريعة أفضل مما كانت عليه في الأيام الخوالي، وهكذا فإن المؤامرة التي حملت اسم "عملية المطرقة" شملت هجمات بالقنابل على مسجدين جامعين في استانبول وإسقاط طائرة مقاتلة تركية من قبل اليونانيين، وهجوما على متحف حربي من قبل عناصر متشددة.
كان المهاجمون الحقيقيون الذين تنكروا بصورة متقنة في كل الأحوال هم العسكريون أنفسهم.
زعم المتهمون الـ 130 أن "عملية المطرقة" كانت مجرد سيناريو لمناورة عسكرية، وأن الوثائق التي تدعم الاتهامات (التي ربما سربها ضباط صغار يعارضون الانقلاب) لم يتم نسبتها إلى مصدرها على الوجه الصحيح، ولكن في ضوء سجل الجيش التركي الذي يتضمن 4 انقلابات في 50 عاما، وعدائه الشديد للأحزاب الإسلامية، فإن الاتهامات كانت محتملة، وفي النهاية صدقتها المحكمة.
لم يكن هناك خيار أمام الجيش التركي إلا قبول حكم المحكمة، فقد أعيد انتخاب حزب العدالة والتنمية مرتين بأغلبية متزايدة، ولم يحاول قادة الحزب الورعون فرض قيمهم على الجميع، وازدهر الاقتصاد التركي.
وقد جعل دستور جديد اعتمد في استفتاء عام 2010 الحكومات المدنية أرفع شأنا من الجيش، بل إنه أزال الحصانة القانونية التي كان أولئك الذين قاموا بالانقلاب الدموي في عام 1980 قد أدرجوها في الدستور السابق لحماية أنفسهم.