إذا كان مصرع السفير الأميركي لدى ليبيا، في هجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي، قد ايقظ العالم على الحقيقة القاسية المتعلقة بالاضطرابات المستمرة في ليبيا، فإن طرد ميليشيا " أنصار الشريعة " المتشددة من بنغازي وتفكيك مقر قيادتها يمكن النظر إليهما كمؤشرين واعدين. ويضاف إلى ذلك رحيل العديد من الميليشيات القوية في الأيام الأخيرة ، بما في ذلك أنصار الشريعة من قواعدها في درنة شرقي بنغازي، وعندئذ ستبدو الصورة أكثر إشراقا. وربما يمكن القول إن التمدد القاتل للميليشيات المتنافسة في سبيله الآن إلى الانحسار.
غير أنه بعد قرابة عام تقريباً من مصرع الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، فإن من الواضح أن هناك الكثير مما يتعين القيام به لإكمال الانتقال في ليبيا. وبينما من رحمة السماء لليبيا أن الصراع الذي أدى إلى الإطاحة بالقذافي من سدة السلطة كان قصيرا مقارنة بالحرب الأهلية التي تتواصل في سوريا، ولم يأت في أعقابه تدخل خارجي صريح على الأرض، فإن العملية لم تكن سريعة ولا محددة على نحو ما يتم تقديمها غالبا. فقد اختفى الموالون للقذافي إما بالرحيل إلى الخارج أو بالنزول للعمل تحت الأرض. وانطلقت الميليشيات لتملأ فراغ السلطة الذي حدث، وتظل طرابلس وبنغازي مكانين خطيرين مليئين بكل أنواع الأسلحة.
وبعد قتل السفير الأميركي لدى ليبيا ، فإن الزعيم الليبي محمد المقريف بادر إلى القول إنه سيجعل في صدارة أولوياته حل كل الميليشيات غير الشرعية. وكرر ذلك الوعد مرارا، غير أن قيام الكثيرين بالعمل بشكل غير مشروع دون أن ينالهم العقاب، يعكس فشلا في الجهود التي بذلتها الحكومة حتى ذلك الوقت، ولا يمكن إلا أن يلقي ظلالا من الشك على نطاق السلطة التي تتمتع بها الحكومة الليبية. فالانتخابات التي أجريت في يوليو الماضي لم تفعل الكثير للحد من هذه النوعية من الأنشطة غير المشروعة وذات العواقب والنتائج الدموية بالغة الخطورة التي وصلت إلى ذروتها في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي الذي أسفر عن مصرع السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز هناك بصورة وحشية لا يمكن للعالم أن ينساها.
إذا كانت الصدمة الناجمة عن مصرع السفير الأميركي قد عجلت بالتحرك ، وهو التحرك الذي تنعقد الآمال على أنه ستكون له نتائجه المستقبلية المؤثرة على الساحة الليبية، فربما يكون بعض الخير قد حل من هذا الحدث الوحشي في نهاية المطاف.
ولكن المقاتلين، الذين يعتمدون على السلاح كأداة أساسية للحركة، معروفون بأنهم مترددون في التخلي عن السلطة التي توفرها لهم الأسلحة النارية، وما لم تتمتع السلطات الليبية بما يكفي من الاحترام للسيطرة على المقاتلين، ولنزع أسلحة الباقين، فإن التأثير السلبي للميليشيات غير الشرعية سيظل قائما في ليبيا. وطرد ميليشيات أنصار الشريعة من بنغازي ودرنة لا يمكن ألا أن تكون خطوة أولى فحسب، وإن كانت خطوة جيدة بكل المعايير.