إذا كنا قد تعلمنا أي شيء من الأحداث التي شهدها الشرق الأوسط، خلال العامين الماضيين، فهو أن الرأي العام العربي بات مهما الآن. وقد أكدت الأحداث الأخيرة ذلك بدرجة أكبر، وأوضحت مدى جسامة المخاطر في المعركة الدائرة لتحديد الاتجاه المستقبلي للسياسة العربية.

ومنذ إنهاء الاستعمار في الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، خضعت الدول العربية لحكم سلسلة من الطغاة، الذين غالبا ما برروا حكمهم وحافظوا عليه بالأيديولوجيات - والمدافع - المستوردة من الغرب.

 وعلى مر العقود، نشأت تسوية هشة نفذت من خلالها الولايات المتحدة تعاملاتها مع الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة، مقابل الحفاظ على الاستقرار في منطقة تعد من أهم مناطق العالم. وبعنف، قمعت مصر وسوريا بشدة الحركات الإسلامية المناهضة للولايات المتحدة.

ووراء الكواليس، كان الطغاة العرب وأتباعهم يهمسون للدبلوماسيين الغربيين بمدى تعقيد مجتمعاتهم، والعنف القابع تحت السطح مباشرة، وعظم الحاجة إلى رجل قوي يحافظ على السلام ويحدث تغيرا تدريجيا، ولكن ليس تماما بعد. وكان الطغاة العرب محقين في أمر واحد، وهو أن مجتمعاتهم معقدة، إذ يعج العالم العربي بالفجوات الطائفية والاجتماعية والاقتصادية، التي أعطتها الأنظمة الدكتاتورية مساحات من العنف.

وبعد الحرب العالمية الثانية، لم يلعب الشعب العربي أي دور حقيقي في الوضع في الشرق الأوسط، حيث لم تكن لديه مساحة عامة كبيرة لمناقشة الخلافات بين أبنائه وتسويتها. فكان الغرب يتعامل مع الطغاة، والطغاة يتعاملون مع شعوبهم.

ولكن تلك الحقبة انتهت نهاية مذهلة، من خلال ما يناسبه بشكل أفضل أن نطلق عليه "الصحوة العربية"، بدلا من "الربيع العربي".

ومع سقوط الحكومات، باتت الشعوب العربية قادرة، أخيرا، على الاستيقاظ والمشاركة في تشكيل مصيرها، والنظام الإقليمي المألوف، والوحشي، يزول ليحل محله شيء أكثر تعقيدا بكثير.. وهذا يطرح تحديات عدة أمام الغرب. أهم هذه التحديات، كيفية تعزيز التفاهم والتسامح المتبادلين بين شعوب الغرب والعالم العربي.

عندما ألقى الرئيس الأميركي باراك أوباما خطابه الشهير في القاهرة عام 2009، سخر منه المحافظون الأميركيون لاعتذاره نيابة عن أميركا واسترضائه الحكام العرب. وإذا كانت لتلك الحجة أي أهمية حين بدت الأنظمة الدكتاتورية العربية راسخة، فإنها لا تحمل أية أهمية الآن وقد بات الرأي العام العربي يمثل عاملا حاسما في كيفية سير سياسات المنطقة.

ولكن إيماءات كخطاب أوباما لن تكون كافية، فقد ترسخ الفكر المعادي للغرب عميقا في أجزاء من العالم العربي، وانتزاعه سيتطلب أكثر من مجرد إيماءات.

والآن وقد بات الغرب عاجزا عن التعامل مع الطغاة العرب وحدهم، فإنه يتعين عليه أن يوجه اهتمامه إلى بناء الثقة مع الشعب العربي. في الماضي، كان أبناء هذا الشعب يدعون غالبا بشكل ساخر ومبسط، وبصيغة المفرد، "الشارع العربي". ومع ذلك، فإن كلا من القاهرة ودمشق وبنغازي، تضم الكثير من الشوارع، ويتعين علينا الآن أن نتعلم بصبر كيفية التنقل فيها.