أهدر كثير من الحبر، في الآونة الأخيرة، على الخطر المتزايد لمقاتلي تنظيم القاعدة على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإحدى الحجج العديدة التي جرى التقدم بها حول وجوب عدم تزويد أميركا للثوار السوريين بمزيد من المساعدة المباشرة، هي إمكانية أن يؤدي انتصار الثوار إلى وصول القاعدة والمتعاطفين معها إلى السلطة، في مرحلة ما بعد الأسد.

لكن وجهة النظر تلك، وللمفارقة، تجعل من تنظيم القاعدة الورقة الثمينة الأكثر فاعلية التي يملكها الأسد. وإذا كان وجود القاعدة يردع واضعي السياسات الأميركيين عن المزيد من التورط في الأزمة السورية، فإن هذا الوجود بالنسبة لنظام الأسد يستحق الحفاظ عليه.

والمشكلة الأخرى في ما يتعلق بالتركيز كثيرا على احتمال صعود القاعدة، هي أن كلفة عدم التحرك في سوريا غير ممثلة كما يفترض للأسف في السجالات الأميركية حول السياسات. وحتى إذا انتصر الثوار، فإن أميركا باستمرارها في الجلوس متفرجة فيما تزداد الخسائر البشرية، تواجه احتمال قيام حكومة معادية لها قطعا في دمشق، بغض النظر عن تولي المتشددين السلطة من عدمه.

وبالنسبة لنظام الأسد، لا يخدم وجود القاعدة في سوريا درء التهديدات الخارجية، مثل التدخل الأميركي، فحسب، وإنما يخفف أيضا من أثر أحد التهديدات الداخلية العديدة للأسد، لا سيما انشقاق الأقليات السورية إلى جانب الثوار. وكلما زادت الانتفاضة في اتخاذها للطابع الإسلامي، قل احتمال انقلاب الأقليات السورية على الأسد.

وطبعاً، فإن احتمال وصول القاعدة أو غيرها من التنظيمات المتشددة إلى السلطة، أو كسبها تأثيراً في مرحلة ما بعد الأسد، سيكون كابوساً أيضاً لمصالح أميركا الإقليمية. لذا يجب أن يأخذ مثل هذا السيناريو الحسابات السياسية في الاعتبار، حتى إذا لم يكن مرجحاً في مثل هذا الوقت. وبالتركيز على إمكانية استغلال القاعدة للصراع السوري، فإنه يجري صرف الانتباه عن التكاليف المتصاعدة سريعاً لكلفة عدم التحرك الأميركي. وفيما واشنطن تتردد في مواقفها، فإن مشاعر الاستياء ضدها تزداد بين أبناء الشعب السوري وشعوب الشرق الأوسط بشكل أوسع، وهذه ليست تكلفة محتملة، بل تكلفة في تزايد مستمر.

والمشاعر المعادية لأميركا تضعف الحلفاء الإقليميين لها وتعزز قوة أعدائهم، مثل تنظيم القاعدة. ويتراجع تأثير أميركا على القضية العربية الإسرائيلية، وعلى الإصلاحات السياسية العربية حديثة الولادة، وحتى على مستقبل العراق. ومن دون ارتباط أميركي أكثر وضوحاً في سوريا، فإن الصراع فيها على الأرجح سيطول.

واحتمال تسليح أميركي للمعارضة السورية وتدريبها، وتقوية القاعدة بشكل من الأشكال، يعد أمراً مخيفاً، لكن المخيف أيضاً هو القيام بتأسيس نظام معاد للمصالح الأميركية في مرحلة ما بعد الأسد.

وإذا سمح صانعو السياسيات الأميركيون للخوف من القاعدة بأن يمنعهم من تزويد الثوار السوريين بمزيد من الدعم المكثف، فإنهم بذلك ربما يساهمون في إيجاد الظروف نفسها التي يحاولون تجنبها.