مع عودة فلاديمير بوتين إلى منصب رئيس الدولة الروسية في الكرملين، عاد المعلقون الصحافيون والخبراء الأجانب ليناقشوا الموقف المطلوب اتخاذه من روسيا اليوم. ويرى بعض الخبراء أن عودة بوتين للكرملين تعني تثبيت نظام حكم الفرد في روسيا، ولا يجد أصحاب هذا الرأي سببا للخوف من روسيا، والحالة هذه، معتبرين أن روسيا ضعيفة بسبب اعتماد اقتصادها على الصناعة الاستخراجية التي تتأثر بتقلبات الأسواق الخارجية، وينصحون حكام بلدانهم بعدم تقديم أي تنازلات إلى روسيا، معتبرين أن روسيا ستضطر إلى التوقف عن مناهضة الغرب، ولن ترى مفرا من مسايرته. ويرى آخرون أن روسيا وإن كان لها العديد من العيوب إلا أنها تنجح في إنماء الذات وتعزيز قدراتها على خلفية فشل أوروبا التي لم تعد تدري إلى أين تسير. وفي ظنهم فإن روسيا شريك مهم للغرب، خاصة وأنها تملك من الثروات الطبيعية ما يمكّن الدول الغربية من تحقيق النجاح في أسواق العالم التي تشتد المنافسة فيها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نشهد تحولا من سيطرة الغرب على العالم إلى إقامة نظام جديد للعلاقات الدولية لا يهيمن عليه الغرب؟

ولا يجد هذا السؤال الجواب لأن الغرب أظهر مراراً قدرته لاجتياز أية أزمة كارثية، في حين أن الصين التي تعتبر مرشحا لمنازعة الغرب ليست مستعدة لطرح أي بديل للسيطرة الغربية على العالم.

وقد خرج "الخطر السوفييتي" من حيز الوجود. إلا أن مواقع الغرب لا تزال تتعرض إلى خطر، وهو الخطر الناتج عن توسع "العالم غير الغربي" ديمغرافياً وثقافياً.

وبالنسبة لروسيا قد يرى المرء أنها لم تعد تلعب دورا يلفت النظر. غير أن الحقيقة هي أن روسيا تبقى قوية ومؤثرة نسبيا ليس لأن التوفيق يحالفها، بل تنبع قوتها من انحطاط النظام الفكري السياسي الغربي الذي ربح الحرب الباردة كما قيل.

وفي الحقيقة فإن روسيا انتهجت سياسة مدروسة وموفقة في الأعوام الـ12 الماضية. وساعدها جزئياً ارتفاع أسعار منتجاتها وأبرزها النفط والغاز، في أسواق العالم. ولكن أكثر ما ساعد روسيا في تكبير دورها على مسرح السياسة الدولية، تزايد عدم الاستقرار في العالم بسبب السياسات غير المدروسة لدول العالم الرئيسية والحملات العسكرية غير المستحبة للولايات المتحدة، وأزمة العملة الأوروبية.

وينظر العالم إلى روسيا في وضع كهذا كإحدى دول العالم الرئيسية الثلاث إلى جانب الولايات المتحدة والصين، لما لها من القوة النووية والثروات الطبيعية وأدوات الضغط السياسي والدبلوماسي.

وليس هذا فقط، بل تغدو روسيا "صانع الملوك" بمعنى أن اندماجها في العالم الغربي يقوي مواقعه في مواجهة "العالم غير الغربي"، في حين أن توجهها إلى العالم غير الغربي يُضعف الغرب.

وتتمحور المناقشات حول الخيار الذي يمكن أن تعتمده روسيا لتقرر مصير العالم، إذ يشعر المناقشون بأن روسيا قادرة على تقرير مصير العالم في هذه الناحية.