أكبر خطأ يرتكب الآن، مع تعرض السفارات الأميركية للهجمات، وترديد الجموع للشعارات المعادية لأميركا على امتداد شمال إفريقيا والشرق الأوسط، هو الاعتقاد بأن ما يجري هو رد فعل شعبي أصيل تماما، على فيلم مسيء للإسلام تم إنتاجه في الولايات المتحدة. وهناك طريقة متذللة لارتكاب هذا الخطأ، جسدها البيان الصحافي المفعم بالاعتذار الذي صدر مؤخرا عن السفارة الأميركية في القاهرة، فيما كانت الاحتجاجات خارجها تتصاعد، وجسدها كذلك قرار البيت الأبيض بالضغط على يوتيوب لإسقاط الفيلم المسيء، وكذلك الأصوات المتعددة التي تطالب باعتقال مروجي الفيلم، لإساءة استغلالهم للحريات التي وفرها لهم التعديل الأول للدستور الأميركي.
ولكن هناك أيضا طريقة مفعمة بالتنازل لارتكاب الخطأ نفسه، وهي الوقوف إلى جانب حرية التعبير، ومعاملة العنف الصادر عن جموع المحتجين باعتباره تجسيدا لغياب المنطق لا علاقة له بالسياسة العملية.
ومن المؤكد أن هناك غيابا للمنطق في ما يجري في شوارع القاهرة وبنغازي، ولكن هناك شيئا أعدت له الحسابات على نحو يفوق ذلك تماما، يجري أيضا. فجموع المحتجين لم يوجدوا بسبب فيلم مسيء للإسلام، والسفير الأميركي في بنغازي لم يلق مصرعه بسبب ما يبدو أنه قيام مجموعة من الأقباط في كاليفورنيا باستخدام مواهبها المحددة، للإساءة للرسول الكريم. إن ما نشاهده هو في الغالب الأعم ممارسة لسياسات القوة على الطريقة القديمة، حيث لا يعدو الفيلم المسيء أن يكون ذريعة لاندلاع العنف الذي كان يمكن أن يندلع لسبب آخر. لقد حدث هذا مرات كثيرة من قبل، وعلى الغربيين أن يعتادوا ذلك.
إن موجة العنف التي تندلع الآن، تدين بوجودها إلى الواقفين وراء سياسات القوة بأكثر مما تدين به لعنف الحشود. وحسبما أشار أكثر من كاتب أميركي، فإن الهجمات التي شنت في مصر وليبيا، تبدو أقرب إلى تحديات مقصودة للأحزاب الحاكمة في هذين البلدين من جانب أجنحة أكثر تطرفا، تتمثل في الأحزاب السلفية في مصر والجماعات المؤيدة للقاعدة في ليبيا.
ومن منظور كثير من المحللين في واشنطن، فإن اختيار الأهداف الأميركية لم يكن من قبيل المصادفة، فالهجمات على السفارة والقنصلية كانت "متعلقة بنا"، بمعنى أن نزعة العداء لأميركا تظل بمثابة نقطة تجمع للسخط الشعبي في العالم الإسلامي، ولكنها لم تكن متعلقة بتسامح أميركا مع الخطاب الهجومي والمعادي للدين. ومجددا فإن ذلك كان ذريعة فقط، ولم يكن السبب الفعلي.
ويرى هؤلاء المحللون، أنه لا معنى للتصرف كما لو أن صيغة أكثر تقييدا من جانب اليوتيوب أو اتصالا هاتفيا من جانب مسؤول أميركي كبير مع المروجين للفيلم المسيء، كان يمكنه إنقاذ أميركا من خريف الغضب.
إن ما نشاهده يجري في الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الربيع العربي، هو نوع من الصراع على السلطة عادة ما يحدث في أعقاب ثورة ما، بين القوى العلمانية والقوى الأصولية في بنغازي، وبين الإخوان المسلمين والسلفيين في القاهرة، مع صراع قوى مماثلة على السيطرة في تونس واليمن، امتدادا إلى معاقل المهاجرين المسلمين في أوروبا.