لا تزال التفاصيل الدقيقة المتعلقة برحيل رئيس مجلس الوزراء السوري رياض حجاب ملتبسة، وهي ربما ستظل كذلك. غير أن الإشارة التي يرسلها رحيله، الذي وصفه الناطق باسمه بالانشقاق، ووصفته وسائل الإعلام السورية الرسمية بالعزل، واضحة وضوح الشمس، وهي أن قوة الرئيس السوري بشار الأسد تتداعى من الداخل.

وتم تعيين حجاب قبل شهرين فقط، في إطار ما اعتبر محاولة متأخرة من جانب الرئيس الأسد لتوسيع نطاق قدرة حكومته على الاستقطاب. ولا حاجة لقراءة أية أحرف خفية، لاستنتاج أن فترة التنازلات الخجولة هذه وصلت إلى نهايتها. ففي الشهر الماضي أو نحوه، تسارع معدل الانشقاقات. وفقد الأسد دبلوماسيين كبارا كثيرين، وأحد كبار القادة العسكريين، والعشرات من ضباط الجيش، بمن في ذلك ما يصل إلى 30 لواء قيل إنهم عبروا الحدود إلى تركيا.

والعنف الذي اقتصر، حتى وقت قريب، وبصورة رئيسية، على مناطق السخط التقليدية، يتزايد دنوه من قلب دمشق. وقبل أسابيع، قتل ثلاثة من كبار أعضاء جهاز الأمن السوري، بمن فيهم وزير الدفاع وصهر الرئيس، في انفجار لم يتم تفسيره حتى الآن بشكل كامل. ومؤخرا، أشارت تقارير إلى انفجار قنبلة في مبنى الإذاعة والتلفزيون السوري، ولا يدل ذلك على هيكل سلطوي يمكن أن يتمتع بالمصداقية على المدى الطويل.

وإذا كان الوقت المتبقي للأسد وزمرته الحاكمة آخذا في النفاد، فلا بد من أن هناك خوفا عميقا بشأن ما سيحدث بعد ذلك. وحتى الآن، لا تزال قوات المعارضة صامدة في حلب، كبرى مدن سوريا، ولكن القوات الحكومية تشن غارات ليلية.

وقد فر عشرات الألوف من المدنيين، وأولئك الذين لم يفروا يهيئون أنفسهم لهجوم حكومي منسق. ومع استقالة كوفي عنان مؤخرا من مهمته باعتباره مبعوثا خاصا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، وتعهد الولايات المتحدة بمساعدة الثوار، تلاشت آخر بقايا جهود السلام، واحتمال أن تشهد سوريا حربا شاملة يقترب يوما بعد يوم.

وينبغي لهذا وحده أن يلفت الانتباه إلى العواقب الوخيمة لصراع من هذا القبيل، ولميل الدول المجاورة إلى الاصطياد في الماء العكر. وفي حين أن عنان تخلى عن مهمته، بعد أن لمس استعدادا غير كاف من كلا الجانبين للالتزام بوقف إطلاق النار الذي توصل إليه بشق الأنفس، فإن هذا لا يعفي المجتمع الدولي الأوسع نطاقا، الذي يضم مجلس الأمن الدولي والدول المجاورة لسوريا، من واجب القيام بمحاولة أخيرة لدرء حمام الدم الذي يبدو محتما على نحو متزايد.

وكما يشير أحدث اللقطات المأخوذة لعمليات القتل المرتكبة من قبل الجيش السوري الحر، فإن الصراع يغدو أكثر تعقيدا بكثير من مجرد انتفاضة بطولية ضد نظام حاقد ومحكوم عليه بالهلاك. ولا يقلص هذا بأي حال، مسؤولية الرئيس الأسد، على الأقل لاستخدامه العنف ضد شعبه في محاولة يائسة للبقاء في السلطة، ولكنه يعني أن أي إطار لسيناريو ما بعد الأسد يجب أن يلبي مطالب جميع الأطراف.

وحتى الآن، تمثل الإجماع الوحيد الذي تم التوصل إليه، في إلقاء الجمعية العامة للأمم المتحدة باللائمة على مجلس الأمن الدولي لإخفاقه في وقف العنف في سوريا. واحتمال تحفيز ذلك اللوم لمجلس الأمن على إعادة المحاولة، يمكن أن يكون ضئيلا، ولكن إذا كان الأمل في تحقيق انتقال منظم للسلطة يخبو شيئا فشيئا، فلعل الخوف مما قد يعنيه الفشل، بالنسبة لسوريا وللمنطقة بأسرها، يقنع الدول الخمس الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا، باتخاذ إجراء موحد.