حين يتم تدوين تاريخ الحرب الأهلية الكارثية التي تشهدها سوريا، سيعرّف يوم 30 يونيو 2012 بالتأكيد، بأنه لحظة الأمل الحقيقية الوحيدة. ففي ذلك اليوم في جنيف، اتحدت الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وراء بيان يدعو للانتقال إلى نظام ديمقراطي في سوريا، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يتقاسم فيها زعماء المعارضة وأعضاء الحكومة الحالية مقاليد السلطة.

ودعت تلك الدول إلى وضع جدول زمني ثابت للانتخابات في بيئة عادلة، ومع الأخذ بعين الاعتبار الفوضى التي أعقبت خطة اجتثاث البعث التي فرضتها أميركا على العراق، أشارت إلى ضرورة الحفاظ على استمرارية المؤسسات الحكومية والموظفين المؤهلين في مجال الخدمات العامة في سوريا.

وذلك يشمل القوات العسكرية وقوات الأمن، التي يتعين عليها أن تلتزم مستقبلا بمعايير حقوق الإنسان. كما دعت أيضا الحكومة السورية وجماعات المعارضة، إلى إعادة الالتزام بوقف اطلاق النار.

وكان البيان المعقول والمفصل والبناء استثنائيا كذلك بما لم يشتمل عليه. فرغم من أن الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية تعني وجوب تفكيك النظام السوري الاستبدادي، فإن أعضاء مجلس الأمن الدائمين لم يذكروا عبارة "تغيير النظام" المعتادة، التي تكسب القضايا المعقدة طابعا شخصيا من خلال التركيز على التخلص من شخصية واحدة.

وبعد أيام قليلة، وزعت روسيا مشروع قرار في الأمم المتحدة لتأييد هذا النهج الجديد، وحثت الدول الأعضاء على العمل بالروح التعاونية التي ميزت بيان جنيف، وتوسيع نطاق فريق مراقبي الأمم المتحدة في سوريا، والضغط لوقف إطلاق النار. ثم جاءت المشكلة.

حيث اقترحت بريطانيا وفرنسا وأميركا مشروع قرار منافس، يضم العناصر أحادية الجانب نفسها التي حفزت الفيتو الروسي والصيني سابقا، بما في ذلك معاقبة الرئيس السوري بشار الأسد في حال عدم الالتزام، والتهديد بفرض عقوبات جديدة، وتجنب الضغط على المعارضة، وتلميحات مبطنة إلى قوة عسكرية نهائية، من خلال الإشارة إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. وكان مشروع القرار هذا بمثابة كارثة.

وليس من المستغرب أن عنان، في إطار تفسيره سبب استقالته (في مقال نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز")، أبرز عدم تأييد مجلس الأمن لتوصيات جنيف. ولا يزال عنان أكثر دبلوماسية من أن ينحاز إلى طرف معين بشكل علني، ولكن خيبة أمله في الدول الغربية الكبرى بسبب توجيهها الاتهامات لروسيا والصين، واضحة وضوح الشمس.

وقد أعلنت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في التو أنها "تسرع" دعمها للثوار السوريين، من خلال تزويدهم بمعلومات استخبارية وبيانات من الأقمار الصناعية حول تحركات قوات النظام، ولا بد أن عنان أصيب بخيبة أمل هائلة.

فحتى فبراير الماضي، كان النمط العسكري في سوريا ثابتا على امتداد شهور عدة؛ هجمات عرضية من جانب الثوار في المناطق الحضرية، تليها ردة فعل مفرطة من جانب القوات الحكومية، بالمدفعية والقناصة والاعتقالات الجماعية.

ومنذ ذلك الحين، شهدت سوريا تدفقا كبيرا للأسلحة إلى الثوار، ومشاركة متزايدة من قبل القوات الخاصة الأجنبية، وتسللا لأعضاء تنظيم القاعدة وغيرهم من المتشددين. فما بدأ بصفته انتفاضة سلمية، وأصبح وبعد ذلك دفاعا محليا عن النفس، تعرض للاختطاف. ومع فرار عشرات الألوف من السوريين من ديارهم، واقتراب احتمال تدمير حلب، وربما دمشق قريبا، تبدو الحاجة إلى وقف لإطلاق النار وتسوية سياسية، أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.