يمكن القول إن الرئيس الأميركي باراك أوباما لم يكن مصيبا في قراره، حين دعا العام الماضي إلى إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الموقف الذي تبعته فيه بريطانيا وحلفاء آخرون.
وقد كانت أسبابه مفهومة، وأولها أن النظام السوري كان يتصرف بشكل مروع، وثانيها أن الولايات المتحدة لم ترد أن تكون غائبة عن مرحلة أخرى من مراحل الربيع العربي، لا سيما وأن الحكومة في دمشق، خلافا لحكومة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، لم تكن تروق لها، وكانت ترتبط بأعدائها في المنطقة.
وثالث تلك الأسباب، أن إسرائيل رحبت بأي شيء من شأنه أن يضعف سوريا، ورابعها أن أوباما ومستشاريه اعتقدوا، على الأرجح، أن الأسد كان قد تجاوز النقطة التي تتيح له أن يكون جزءا من أي حل.
ومع ذلك، فقد كان الاعتقاد بضرورة رحيل بشار الأسد وأقاربه وشركائه في مرحلة من المراحل أمرا، والتعبير عن ذلك علانية بصورة لا رجعة فيها أمر آخر.
وتمثلت النتيجة المؤسفة لذلك في استبعاد أي إمكانية للتفاوض بين الخصوم، وإغلاق الباب على التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وروسيا، وهما الدولتان اللتان تستطيعان، لو عملتا معا، قلب النتيجة في سوريا.
ويمكن القول، بالطبع، إن الحكومة السورية رفضت جميع الاقتراحات التي دعتها إلى تفهم أولئك الذين تصفهم بالإرهابيين، وإنها قوضت خطة عنان منذ البداية.
ولكن كان يمكن للوقت واليأس أن يغيرا ذلك، إذ يختلف موقف حكومة الأسد الآن، ويزداد سوءا، عما كان عليه قبل بضعة أشهر.
ومع ذلك، فلم قد يوافق النظام على التفاوض إذا كان لا بد من جعل تصفيته أول بند من بنود الأجندة؟ وبالمثل، فلم قد يفكر الثوار في أي حل وسط، في الوقت الذي يشعرون بأن القوى الغربية، فضلا عن العديد من الحكومات في المنطقة، تقف وراءهم؟ وأخيرا، لماذا ينبغي لروسيا أن تمضي قدما في سياسة تغيير النظام في سوريا، في حين يعرضها ذلك لتهمة التخلي عن حليف ويجعلها متواطئة في خطة، كما يعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحد من نفوذ روسيا وسمعتها في الشرق الأوسط؟
ولأنه لا أحد يستطيع الحراك دبلوماسيا، فقد وصلت نيران الحرب إلى الدرجة التي تهدد بتدمير بلد يحتضن 24 مليون نسمة. ومن المؤكد أن الصراع يتسبب أيضا في تمزيق نسيج سوريا الاجتماعي، وذلك لا يقتصر على العلاقات بين الطوائف والأديان، وإنما يشمل العلاقات بين الطبقات، واحتمال محاولة المتطرفين، تنظيم القاعدة وغيره، التدخل يبدو جليا.
ولا يزال هنالك أشخاص، ومنهم أعضاء المعارضة السورية الصغيرة الشجاعة والبعيدة عن العنف، يعتقدون أن هناك طريقة أخرى، وهو ما يذكرنا به بيان صدر بعد اجتماع "سانت إيجيديو" الأخير في روما، إذ تواجه القوى الخارجية الآن خيارين اثنين.
أحدهما أن تقف متفرجة فيما تحترق سوريا، مع مواظبة بعض الحكومات على إمداد الثوار بالأسلحة، وانتظار أن تؤدي الانشقاقات أو الاغتيالات أو حركات التمرد بين القوات المسلحة إلى إسقاط النظام.
ولكن ماذا لو استمر الأسد في الصمود؟ لأسابيع، لأشهر، بل لفترة أطول؟
هذا هو السبب في أن الخيار الثاني، وهو العودة إلى الدبلوماسية وفتح أميركا وروسيا، على وجه الخصوص، صفحة جديدة في التعامل مع هذه المشكلة الرهيبة، يحتاج إلى أن يتم النظر فيه.