تشكل الصراع العربي الإسرائيلي على امتداد تاريخه بمنهاجين متراوحين، هما المنهاج المتطرف والذي في إطاره يحاول طرف أو أكثر حسم الصراع من خلال الحرب أو السلام، والمنهاج الأقل تطرفا الذي يستهدف استدامة الصراع دون محاولة جدية لحسمه (وبصفة أساسية في صورة مقاومة عربية في مواجهة ردع إسرائيلي)، غير أنه خلال السنوات القليلة الماضية دخل الصراع مرحلة جديدة من الشلل التام، التي لا يوجد فيها سلام ولا حرب ولا مقاومة.
ولا شك أن الربيع العربي سيؤثر على هذا الصراع الذي دام قرابة قرن من الزمن، ورغم أن هذا التأثير مجهول ويصعب التكهن به، فإن هذا "الربيع" لا يحتمل أن يسفر عن ديناميات ازدهار تساعد في الوصول بالصراع إلى نهاية، وذلك لأسباب عديدة.
وهناك قضية ثانية تتمثل في المقاومة العاجزة، فرغم التقارير التي تتحدث عن زيادة في الأسلحة المهربة إلى غزة وجنوب لبنان، فإن أياً من حزب الله أو حركة حماس ليسا في وضع يتيح لهما تصعيد هجماتهما على إسرائيل، وقد تجاهلت المجموعتان القاعدة الأساسية لأي مقاومة شبه عسكرية، وهي القائلة إن "الكيان الكبير شيء سيئ".
والجمود الذي يفرض نفسه حاليا، يبدو كما لو كان بديلا سيئا، ففي نهاية المطاف يمكن أن يسفر الوضع القائم عن "الاستقرار" ويمنع مزيدا من سفك الدماء، غير أن التاريخ قد تحدى هذه النظرية. وفي حقيقة الأمر، فإن كل مرحلة جمود داخل صراع بعينه، انتهت بمواجهة كريهة.
ويمكن للعديد من الاحتمالات أن يصل بالجمود الراهن إلى نهاية، ومن هذه الاحتمالات وقوع انتفاضة ثالثة، وهو الأمر الذي تنبأ به الكثيرون بالفعل، ولأسباب لا حصر لها. وبغض النظر عن ذلك، فمن الواضح أن زعامة الرئيس الفلسطيني محمود عباس تجتاز مرحلة غسقها. وعاجلاً أم آجلاً فإن السلطة الفلسطينية ستخفق في القيام بالإجراءات الأمنية التي أبقت على الهدوء داخل الأراضي الفلسطينية، وعندئذ ستكون المسألة مسألة وقت فحسب على اندلاع الانتفاضة التالية.
وهناك احتمال ثان، يتمثل في دخول لاعبين جدد إلى الساحة، فهذا الصراع قدم بصورة مستمرة جماعات نضالية جديدة، وقبل حرب 1967 كانت فتح مجرد مجموعة صغيرة، وقبل غزو لبنان لم يكن هناك وجود لحزب الله. وقد تواجه إسرائيل بسيناريو لبناني معكوس، حيث يسود الهدوء في جنوب لبنان، ولكن ينطلق تصاعد من لاعبين جدد يتخذون من مرتفعات الجولان قاعدة لهم، وقد لا يكون هذا احتمالا قويا، ولكنه ليس مستبعدا على الإطلاق.
وهناك احتمال أخير يتعلق بوضعية سيناء المعقدة، والعديد من الأطراف على جانبي الصراع يقر بأن هذا الصراع لن يحسم أبدا من خلال الحرب، ولكنها تفضل قبول الجمود على الوصول إلى أنصاف حلول تفضي إلى السلام. ومثل هذا المنهاج هو مأساة في ذاته. لقد آن الأوان لقيام كل الأطراف بمراجعة استراتيجياتها الخاصة بالحرب والسلام، والعمل على التوصل إلى نهج جديد لمعالجة الصراع قبل فوات الأوان.