أصبحت الأزمة السورية تشكل أحدث اختبار للعلاقات الروسية مع الغرب. وقد فاجأ دعم موسكو لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، واستعدادها لإغضاب الغرب سعياً وراء تلك السياسة، الساسة والمراقبين الغربيين، لا سيما في ضوء الموقف «التصالحي» الأولي الذي اتخذته روسيا تجاه التدخل الأجنبي في ليبيا مطلع 2011.

وحاول المحللون الغربيون وأجهزة الإعلام إيجاد تفسيرات منطقية لموقف روسيا، مشيرين إلى أن دافعها الرئيس هو رغبتها في الحفاظ على قاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس السوري، وصفقاتها المربحة لبيع الأسلحة لدمشق، غير أن هذين العاملين لا يبدوان وكأنهما يلعبان دوراً أساسياً.

وبصفتها حليفة الاتحاد السوفييتي الأكثر ولاء في الشرق الأوسط، بعد سقوط مصر من المدار السوفييتي، فقد كانت سوريا على الأرجح أكبر متلق للأسلحة السوفييتية في المنطقة. ونتيجة لذلك، تمكنت من إنشاء قوة عسكرية كبيرة، مجهزة بالكامل تقريباً بأسلحة سوفييتية حديثة.

وفي إطار اتفاق أبرم عام 2005، تقدمت سوريا بطلبيات كبرى في عامي 2006 و2007 لـ «روسوبورون إكسبورت»، الشركة المصدرة للأسلحة في روسيا، لشراء أسلحة تبلغ قيمتها نحو 4,5 مليارات دولار، ولا تزال هذه الصفقة تحدد شكل تعاون موسكو العسكري والتقني مع دمشق.

وتقوم سياسة موسكو تجاه دمشق، بشكل أساسي، على دعم نظام الأسد للحيلولة دون الإطاحة به عبر تدخل عسكري أجنبي. وتستند هذه السياسة إلى توافق واسع النطاق إلى حد ما، بين الساسة والمحللين وعامة الجمهور في روسيا. وفي هذا السياق، يلعب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دور «حامي مصالح روسيا» المألوف، ضد التدخل والتوسع الغربيين.

وبطبيعة الحال، فإن بوتين مدفوع أيضاً برغبته في الحفاظ على قبضته على السلطة. فنظامه الاستبدادي كذلك يواجه حركة احتجاج متنامية، تحظى بدعم سياسي من جانب الغرب. فلا يمكن لبوتين إلا أن يتعاطف مع الأسد، باعتباره زميله الاستبدادي الذي يكافح ضد «التدخل الخارجي في شؤون بلاده الداخلية».

غير أن العامل الأكثر تأثيراً، هو اعتقاد الكرملين الراسخ بأن روسيا لا تحتمل «خسارة سوريا». فانهيار نظام الأسد سيعني فقدان موسكو لآخر حلفائها وموطئ قدمها الوحيد في الشرق الأوسط.

وهناك تصور متشائم عموماً في روسيا للعواقب المترتبة على الربيع العربي بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط ككل، وللنتائج المحتملة للثورة السورية على وجه الخصوص، إذ تعتبر موسكو أن الأنظمة الاستبدادية العلمانية، تشكل البديل الواقعي الوحيد للتأثيرات المتشددة في الدول العربية. وبعد سنوات طويلة من المعاناة من الإرهاب والتطرف في شمال القوقاز، يقف الرأي العام الروسي في صف الأسد.

والعامل الأخير، هو نفور الكرملين التقليدي من التدخل الغربي أحادي الجانب. وأحدث مثال على ذلك هو التدخل في ليبيا، الذي برره الغرب من خلال التوسع في تفسير قرارات مجلس الأمن الدولي، وانتهاك تلك القرارات نفسها عبر تسليح الثوار الليبيين.