اندلعت مؤخرا في تونس، التي تعد معقل أول انتفاضة ناجحة على دكتاتور في العالم العربي، معركة بين الإسلاميين المتشددين والحزب الإسلامي المعتدل الذي يهيمن على الحكومة. ولا شك أن ثورة ثانية تحدث داخل الصف الإسلامي، ويمكنها أن تحقق التصالح بين ذلك الصف وبين الديمقراطية، سوف تساعد الشرق الأوسط كثيرا.
يظل الصراع العربي الأول صراعا بين الديمقراطية والحكام الدكتاتوريين العلمانيين، من أمثال الرئيس السوري بشار الأسد، ولكن في تونس، التي لديها الآن نظام ديمقراطي، بدأت معركة جديدة، وهذه المعركة تدور رحاها بين حزب النهضة الإسلامي الذي يهيمن على الحكومة العلمانية، وبين الجماعات السلفية الأكثر ميلا إلى المحافظة.
لقد نشب هذا الصدام بين المعتدلين والمتشددين في الصف الإسلامي في تونس مؤخرا، عندما هاجم السلفيون معرضا فنيا في إحدى ضواحي العاصمة تونس.
وقد تضمن المعرض لوحة للفظ الجلالة منفذة بطريقة رآها البعض مسيئة، وأدت الاضطرابات التي ثارت في الشوارع إلى هجوم على مقر إحدى المحاكم، الأمر الذي أجبر الشرطة على التدخل، مما أسفر عن مصرع شخص وإصابة 700 آخرين، وإلقاء القبض على 160 شخصا.
كان ذلك أسوأ اضطراب من نوعه تشهده تونس، منذ الإطاحة بالرئيس السابق زين العابدين بن علي في 11 يناير 2011، وقد بادرت الحكومة التونسية إلى فرض حظر التجول في العديد من أرجاء البلاد.
وبالنسبة لحزب النهضة الذي يحكم تونس في إطار ائتلاف مع أحزاب علمانية تشكل أقلية، فإن هذا التحدي من قبل المتشددين يعد أيضا تحديا لالتزام حزب النهضة بالمثل العليا الديمقراطية، وبصفة خاصة الأمل الذي تعلقه النهضة على تحقيق التساوق بين الإسلام والديمقراطية.
ويرفض الحزب الشريعة كأساس للتشريع، ولكن في إطار أحد ردود الفعل الرسمية على العنف الذي اندلع مؤخرا، أعلن وزير الثقافة التونسي إغلاق المعرض، وبدا أنه يبرر الاحتجاجات لاستفزاز العمل الفني المعروض لمشاعر المسلمين.
ولكن الحكومة التونسية قامت أيضا بمنع أحد القادة السلفيين من إلقاء خطاب، بعد أن دعا إلى قتل الفنان صاحب العمل الذي أثار هذه الضجة بكاملها. ومثل هذا التصرف يشير إلى أن الحكومة التونسية تريد من السلفيين أن يعملوا في إطار قواعد الديمقراطية.
ويعد الائتلاف الحاكم في تونس، والمؤلف من أحزاب إسلامية وعلمانية، نموذجا يحتذى بالنسبة للدول العربية الأخرى، ولكنه يتعين الآن أن يدير حوارا داخليا في قلب الصف الإسلامي، حول ما إذا كان التيار الديني المنظم ينبغي أن يحدد الأطر الحكومية، أم أن الحكومة ينبغي أن تعكس إرادة العلمانيين والمنخرطين في التيار الديني، من خلال المبادئ الديمقراطية.
والتخوف من الديمقراطية العلمانية من قبل المنخرطين في التيار الديني، يمكن أن يكون جليا تماما، مثل التخوف من قبل العلمانيين من الاتجاه الديني المتطرف. وهذه المخاوف تبدو الآن جلية في مصر، حيث يتصدى المجلس العسكري الحاكم للإخوان المسلمين، فيما يبادر هؤلاء إلى القيام بالمسيرات والاحتجاجات.