إننا نفهم المستقبل الذي كان يمكن أن يحلّ، ليس بأوروبا وحدها وإنما العالم بأسره، لو لم تساعد أميركا الشمالية أوروبا في وقت الحاجة. ونحن نعرف أن وقائع التعاون التاريخي بين الجانبين تشكّل روابط فريدة من نوعها بين قاراتنا، ولا تزال تلك الروابط حيوية للحفاظ على قيمنا وأمننا. ولكن بعد انتهاء الحرب الباردة افترض الكثيرون أن تجسيدها المؤسسي، المتمثل في حلف "ناتو"، من شأنه أن يتلاشى.
ولم يحدث ذلك، لأن روابطنا لا تقوم على التهديدات المشتركة فحسب، ولكن على المثل العليا المشتركة أيضا. فلا يمكن أن تضعف مثلما لا يمكن أن تتراجع رغبتنا في الحرية. ولا يحتاج حلف "ناتو" إلى مبررات خارجية للبقاء، إلا أن التاريخ سرعان ما يوفر هذه المبررات في وقت قريب بما فيه الكفاية.
في البوسنة وكوسوفو، تدخّل "ناتو" لوقف الانتهاكات الهائلة لحقوق الإنسان. وفي ليبيا، تم فرض قرار تدخل لمجلس الأمن لحماية المدنيين. وفي أفغانستان، فإننا نحرم المتطرفين من ملاذ آمن. لقد تطور هذا التحالف إلى منظمة أمن وإدارة صحيحة تتسم بالمرونة والفعالية وكفاءة التكلفة. تغيرت التهديدات لتصبح ذات صبغة عالمية، ونحن تغيرنا للتصدي لها.
يعكف حلف "ناتو" على تطوير القدرات الدفاعية للصواريخ البالستية، لحماية سكان أوروبا وأراضيها ضد تهديد خطير ومتزايد. وفي المحيط الهندي، يتعاون الحلف مع الاتحاد الأوروبي والعديد من المؤسسات الأخرى، لحماية الممرات البحرية الكبرى المهددة من قبل القراصنة.
وفي مختلف بلدان العالم، يقوم "ناتو" بتنفيذ بعض المهام، مثل إزالة الألغام والإغاثة من الكوارث، وتقديم المشورة بشأن كيفية عمل القوات العسكرية تحت الرقابة الديمقراطية، والعمل عن كثب مع الأمم المتحدة لدرء الأذى عن الأطفال.
ربما لا تتصدر مثل هذه الجهود عناوين الصحف، لكن الأمن هو مثل الصحة، لا يمكن ملاحظته حتى يأخذ منعطفا نحو الأسوأ. ولهذا السبب هناك حاجة للتأمين، وحلف "ناتو" يعد أكبر ضامن أمني راسخ في العالم. وكونه يضم 28 عضواً، فقد قدم الحلف المزايا الأمنية لجميع الحلفاء، سنة تلو أخرى، لأكثر من ستة عقود من الزمن. اجتمع، مؤخراً، في شيكاغو ممثلو الدول الأعضاء البالغ عددهم ما يقرب من 60 عضوا.
بالإضافة إلى الشركاء والمنظمات الدولية، لحضور أحدث قمة للناتو التي تعتبر الأكبر في تاريخه، لمعالجة بعض المسائل الأمنية الأكبر في عصرنا. وتركزت المناقشات على ثلاث قضايا هي: انتقال المسؤولية الأمنية كاملة للقوات الأفغانية، والتطوير المستمر للقدرات العسكرية المتحالفة، وشبكة الشراكات العالمية للحلف.
أولا، تم التأكيد مجدداً على الالتزام بالاستقرار والأمن في أفغانستان.
ثانياً، في الوقت الذي تقترب المشاركة العسكرية للحلف في أفغانستان من الانتهاء، يتعين التطلع إلى المستقبل وتطوير قدرات جديدة لعصر جديد. ومن خلال التعاون لتعظيم أصول الحلف وموارده، يمكن تكثيف العمل بشكل أكبر، وهذا هو جوهر فكرة "الدفاع الذكية".
وأخيراً، برزت الشراكات على جدول الأعمال في قمة شيكاغو. وعلى مدى السنوات الـ20 الماضية، أنشأ حلف "ناتو" شبكة من الشراكات الأمنية مع الدول حول العالم. وعلى عكس الحلفاء، لم تشمل الشركاء بنود المادة الخامسة من ميثاق الحلف، المتعلقة بالدفاع الجماعي بين دول الحلف. لكن التهديد العابر للحدود يتطلب حلولاً متعددة الجنسيات.