الموعد النهائي للانسحاب من أفغانستان يكمن في صلب قرارات السياسة الخارجية الأكثر إثارة للجدل، التي اتخذها الرئيس الأميركي باراك أوباما. فالبرنامج الزمني الذي أعلنه بشأن الانسحاب قوبل بانتقادات من عدة جهات.
ويجادل السناتور الأميركي جون ماكين وغيره، بأنه من خلال جعل الخطط الأميركية واضحة، فإن الرئيس أوباما يبعث برسالة خاطئة إلى حركة طالبان، ويعقّد الجهود الرامية لإلحاق الهزيمة بها. فإعلان "مواعيد محددة" للانسحاب، وفقا لوجهة النظر هذه، هو أمر سياسي، وليس استراتيجيا.
لا شيء يمكن أن يكون أكثر من هذا بُعداً عن الحقيقة، فهناك منطق استراتيجي متميز وراء الإعلان عن مواعيد الانسحاب.
يكمن الفارق بين موقفي ماكين وأوباما، في تفسير ماهية الهدف الرئيس في أفغانستان؛ هل تحاول الولايات المتحدة هزيمة طالبان، أو تشكيل حكومة وطنية فعّالة؟ يرى ماكين بوضوح أنه الخيار الأول. وهو محق في أنه قرار استراتيجي غريب، أن يتم توصيل خططنا للعدو، إذا كانت طالبان حقاً هي شاغلنا الرئيس. لكن العامل الأكثر أهمية في أفغانستان، أو ما يشير إليه الاستراتيجيون أحياناً على أنه "مركز الثقل"، ليس طالبان، ولكن حكومة قرضاي.
ليس أعداؤنا هم الذين يمثلون العقبة الرئيسة أمام النجاح، وإنما هم حلفاؤنا. لدى قوات الأمن الأفغانية ما يقرب من 350 ألفا من الرجال المدربين تحت السلاح، مقارنة مع عُشر هذا العدد من المتمردين. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الناس لا يميلون إلى حركة طالبان.
ولا يرغبون في عودتها. وبعبارة أخرى؛ يمكن للمتمردين قتل كثير من الناس وجعل الحياة بائسة، لكنهم لن يسقطوا حكومة قرضاي. وحده قرضاي هو من يستطيع القيام بذلك، من خلال الفساد المتفشي وسوء الإدارة وعدم الكفاءة.
وكما هي الحال، فإن الرئيس الأفغاني لديه حافز محدود لاتخاذ خطوات لتحسين الحكم. فطالما أنه يستطيع الاعتماد على دعم من قوات حلف "ناتو"، فليس هناك ما يدعو إلى التعاون مع قادة الحرب الإقليميين، وتحسين الخدمات لشعبه، أو محاولة عقد صفقات مع زعماء البشتون المحليين الذين قد يكونون كارهين لحركة طالبان. فلا يتعين عليه أن يتخذ أية قرارات صعبة، طالما أن سلامته الأساسية مضمونة.
ومن دون شعور بالتعجّل من جانب قرضاي، فإن التمرد في أفغانستان من غير المرجح أن يزول قريباً. فلا يمكن بالتأكيد أن يتم القضاء عليه بشكل دائم، ما دام يحظى بملاذ آمن عبر الحدود في باكستان. هدف الولايات المتحدة ليس إجبار جماعات طالبان المختلفة على الاستسلام،.
ولكن لتشجيع حكومة قرضاي غير الفعالة والمرتشية على تقديم هذا النوع من التعديلات، الذي من شأنه أن يسمح لها بالاستمرار دون الحصول على دعم. تحديد موعد نهائي هو السبيل الوحيد لإنجاز هذه المهمة. هكذا فإن إدارة أوباما في موقف حرج، فلا يمكنها أن تفسر تماماً المنطق الاستراتيجي في سياستها من دون إهانة شركائها بطريقة غير دبلوماسية وغير مثمرة. تحديد مواعيد نهائية للانسحاب، يقرّ هذا الواقع.