عندما هنّأ الرئيس الأميركي باراك أوباما نظيره الروسي فلاديمير بوتين في اتصال هاتفي، بمناسبة يوم الانتصار في التاسع من مايو، وهي لفتة مناسبة بالنظر إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق قاتلا معاً ضد ألمانيا النازية، ردّ بوتين المجاملة بطريقة غريبة، حيث أعلن أنه لن يحضر اجتماع مجموعة الثماني التي يستضيفها أوباما في كامب ديفيد.

ومما زاد الطين بلة، أن بوتين تقدّم بحجة واهية في رأي البعض، وهي أن روسيا بحاجة إليه لتشكيل حكومة جديدة، وهي مسؤولية مباشرة تقع على كاهل رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف. وكان يمكن لبوتين أن يبلغ أوباما بأنه لا يستطيع حضور القمة لأن كلبته "كوني" قد التهمت ربطة عنقه الوحيدة!

في الوقت نفسه، ورغم ذلك، فإنه من المفهوم السر في أن بوتين يريد تخطي هذا الحدث. كانت قمة مجموعة الثماني دوماً اجتماعاً حصرياً لـ"نادي صفوة" الديمقراطيات الصناعية الرائدة في العالم، حيث كان بوتين، مثل الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، يشعر دائماً كأنه إطار احتياطي.

يرغب بوتين في تجنب المسائل غير المريحة وغير السارة التي قد يطرحها الصحافيون وبعض المشاركين، مثل التزوير في الانتخابات الأخيرة، قوائم "ماغنيتسكي" السوداء، وتهديدات الكرملين بتوجيه ضربات وقائية على منشآت الدفاع الصاروخي الأميركي، وحملات المداهمة الأخيرة من جانب الشرطة الروسية ضد الاحتجاجات، وفشل ميدفيديف على امتداد أربع سنوات كرئيس لروسيا في تحرير البلاد.

يفضل بوتين بوضوح استقبالاً أكثر دفئاً، مثل الاستقبال الذي حظي به في مدينة "نيزني تاغيل" بعد يومين من تنصيبه. ذهب بوتين إلى هناك لزيارة أكبر مصنع للدبابات في روسيا، والتقى مع العمال الذين عرضوا، خلال زيارة بوتين الاستعراضية السنوية في ديسمبر الماضي، المساعدة في تفريق احتجاجات موسكو، إذا لزم الأمر.

فلو أن بوتين اعتبر أنه يتقرب أكثر مما ينبغي من أوباما في كامب ديفيد، لكان ذلك بمثابة ضربة لصورته كرجل قاسٍ يناطح الولايات المتحدة. صور الفيديو التي تظهر أوباما مبتسما يربت على كتف بوتين، من شأنها أن يكون لها أثر سلبي في "نيزني تاغيل" ومئات المدن الأخرى التي تضم ذوي الياقات الزرقاء.

وبالإضافة إلى ذلك، ففي وقت كانت تكتسب حركة الاحتجاج زخماً في موسكو ومدن روسية أخرى، يمكن ألا يستطيع بوتين الظهور وهو في دردشات جانبية مع أوباما، الذي تعتبر إدارته، على حد وصف بوتين نفسه، الراعي الأساسي للمعارضة.

والأكثر من ذلك، أن بوتين كان سيبدو بصورة سيئة في نظر أنصاره، لو أن أول جولة خارجية له في فترة ولايته الرئاسية الثالثة، كانت الذهاب إلى الولايات المتحدة. ورغم أن الرحلة الأولى رمزية إلى حد كبير، فإن الصور مهمة بالنسبة لزعيم جعل كلماته المناهضة للولايات المتحدة جزءا كبيرا من صورته الوطنية، ووجهة السياسة الخارجية للبلاد ككل. وبدلاً من ذلك، ستكون زيارة بوتين الخارجية الأولى إلى روسيا البيضاء، وهي إيماءة بالتأكيد لا يريد بوتين أن يفوت مغزاها على أحد، بما في ذلك واشنطن.