هناك إجماع في الآراء آخذ في الظهور، بشأن وجود شيء لا بد من زحزحته في الرؤية الراهنة في ما يتعلق باقتصاد التقشف في أوروبا. وباختصار، فإن أوروبا، بدءاً من ألمانيا، تحتاج إلى إعادة النظر في شروط الاتفاق المالي وتخفيف السياسة النقدية.
وتقبل حقيقة أن التخفيضات وحدها لا تقود نحو الانتعاش. فإذا واصلنا ما نحن فيه الآن، فإن الخطر يكمن في أن عدم الاستقرار السياسي من هذا النوع الذي نشهده بالفعل في اليونان، سوف ينتشر، في بعض الحالات، ليدفع المتطرفين إلى الواجهة. الرسالة، التي جاءت من الناخبين في أوروبا مؤخراً، هي رسالة دائبة.
فالناخبون يقولون إنهم تجرعوا ما يكفي من الدواء المر الذي لا يحمل أي احتمال للانتعاش، ولم يعد في وسعهم الوثوق بالأحزاب التي تلتزم سياسة التقشف التي تقودها برلين. ففي فرنسا أطاح هذا الشعور بالرئيس السابق نيكولا ساركوزي، وجلب فرانسوا هولاند.
وفي اليونان تدفع حالة الإحباط من احتمال التراجع الاقتصادي المدوي، الخيارات السياسية الأكثر إثارة للقلق، بدءاً من الفاشيين من جماعة "غولدن دون"، إلى المتعصبين اليساريين من حزب "سيريزا" المتطرف. ولو أن اليونان أجرت انتخابات مرة أخرى، وهو الأمر الذي يبدو حتميا بعد فشل محاولات تشكيل حكومة ائتلافية، فإن ائتلاف "سيريزا" اليساري المتشدد والمناهض للتقشف، سوف يكون في طريقه للفوز بنحو 27% من الأصوات، ليصبح القوة السياسية الرئيسية في البلاد.
وتتسم التوقعات الاقتصادية في إسبانيا بأنها يائسة تقريباً، ذلك أن مدريد ليس لديها أمل في تحقيق أهدافها حيال العجز في الميزانية، ويتعين عليها فرض مزيد من التخفيضات أو مواجهة عقوبة من قبل الاتحاد الأوروبي، وهي مجموعة مثيرة للحيرة من الخيارات المتاحة أمام إسبانيا، التي يعاني 23% من مواطنيها من البطالة بالفعل.
وفي الوقت نفسه، سوف يكون استفتاء إيرلندا المزمع إجراؤه في 31 مايو الجاري بشأن معاهدة الاتحاد الأوروبي المالية، اختباراً آخر لما إذا كان الناخبون في أوروبا على استعداد لتحمل المزيد من الضرر، على خلفية الوعود الغامضة بتحقيق مكاسب في المستقبل البعيد جداً.
حتى الآن، فإن الرسائل من بروكسل وبرلين كانت مألوفة، ومفادها أنه ليس هناك بديل، وأن المستشارة أنغيلا ميركل ليست على استعداد للرجوع في الاتفاقية. لكن ذلك ربما يتغير الآن، وهناك قبول متزايد بأنه لا يمكن الاستمرار في السياسة الحالية إذا تم في صناديق الاقتراع رفض كل حكومة تلتزم بالاتفاق. وذلك يجعل ألمانيا حصناً كبيراً للسياسات المالية التقليدية.
ولكن الناخبين الألمان يتشككون في السياسات الاقتصادية الصارمة لميركل بشأن الدين. وفور خسارتها في ولاية "شليزفيغ- هولشتاين"، قالت ميركل إنها خسرت تأييد ويستفاليا في شمال الراين، وهي الولاية الألمانية الأكبر من حيث عدد السكان.
لا أحد يتمتع بكامل قواه العقلية، يؤيد اقتصاد الدجل والشعوذة الذي يقترحه حزب "سيريز" بالنسبة لليونان. وربما لا شيء يمكن أن يحول دون انزلاق اليونان إلى الفوضى طويلة الأمد، والتي سوف تزيد من احتمال خروجها من منطقة اليورو. وإذا حدث ذلك، فسوف تضطر أوروبا للتعامل مع الصدمة.