تصاعد التوتر بين السودان وبين جارته جنوب السودان المستقلة حديثاً، ولم تظهر أي بوادر على انفراج قريب، الأمر الذي يثير القلق العميق في أوساط المجتمع الدولي. يتعين على كلا الجانبين ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، والتوقف عن اتخاذ خطوات متهورة. وينبغي على الخرطوم وجوبا، إدراك أن هذا التصعيد لن يخدم مصالح أي من الطرفين في حال نشوب حرب واسعة النطاق بينهما.
وقد أدان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بشدة، عمليات القصف الجوي الأخيرة في جنوب السودان من قبل القوات المسلحة السودانية، ودعا الخرطوم إلى "وقف هجماتها فورا"، مناشداً الدولتين الجارتين العودة إلى الحوار في أقرب وقت.
واندلعت المعركة الأخيرة بين البلدين الجارين في منطقة هجليج الغنية بالنفط، قبل أن تنسحب القوات السودانية الجنوبية من المنطقة أخيراً. وكان التنازع على حقل هجليج سبباً للحرب الأهلية في السودان على امتداد عقود زمنية، وبعد حصول جنوب السودان على الاستقلال في يوليو الماضي، لا تزال كيفية تقسيم الثروة النفطية واحدة من القضايا موضع الجدل المرير بين الجانبين. ونظرا لأن النفط هو شريان الحياة الاقتصادية لكلا البلدين، ينبغي أن يلتزما الهدوء واللجوء إلى تسوية النزاع عن طريق التفاوض. ووجود معظم البنية التحتية للنفط في هذه المنطقة مصدره السودان، في حين أن أكثر من 70% من الاحتياطيات النفطية في جنوب السودان، ترجح أن أي إجراء من جانب واحد لن يساعد أياً من الجانبين.
يرتبط البلدان بمصالح مشتركة ويعتمد بعضهما على البعض بشكل متزايد، فإذا نجحت الجارتان في معالجة النزاع بينهما بشكل صحيح، فإنهما سيتوصلان إلى حلّ يخدم مصلحة الطرفين. لكن الحرب ستوجه ضربة قوية لاقتصاد البلدين، وستؤدي إلى مزيد من المعاناة للشعبين. أما كيفية تحقيق التوازن بين مصالحهما وإيجاد حلّ مقبول لكليهما، فسيكون اختباراً للحكمة السياسية للقادة في كلا البلدين.
في العقد الماضي، نجحت الصين في بناء علاقات تجارية واسعة مع الجانبين، ويعمل العديد من الشركات الصينية في تلك المنطقة المضطربة أو بالقرب منها. وبوصفها شريكاً ودياً لكل من السودان وجنوب السودان، تسعى الصين باستمرار لتخفيف حدة الخلافات بين الجانبين. وقد قام رئيس جنوب السودان سلفا كير مؤخراً، بزيارة للصين، حيث اغتنمت بكين الفرصة لتقديم المزيد من الوساطة والعمل مع المجتمع الدولي، للضغط من أجل عقد مصالحة وإجراء محادثات بين الجانبين المتنازعين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تبذل الخرطوم وجوبا كل جهد ممكن، لضمان سلامة العمال الصينيين وحماية الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية في البلدين. الأمر الآخر أنه ليس هناك داعٍ لأن يكون رد فعل المسؤولين في الحكومة السودانية، ممن هم تحت سلطة الرئيس السوداني، شرساً مع تصريحات المتشددين في جنوب السودان.
وقد أصبح الموقف محرجا للحكومة السودانية، بعدما أصحبت عائدات النفط خارج نطاق نظامها الاقتصادي، نظراً لأن انفصال جنوب السودان فرض اتخاذ بعض التدابير لتغطية النقص في النقد الأجنبي. ووصف مسؤولون سودانيون بـ"غير الواقعي" مقترح رئيس لجنة الاتحاد الإفريقي للوساطة في السودان ثابو مبيكي، الذي أكد ضرورة أن يساعد كل جانب الجانب الآخر اقتصاديا، مع حصول الخرطوم على نسبة مئوية من صادرات النفط السنوية المتمثلة في رسوم العبور، لمساعدتها على تجاوز أزمتها الاقتصادية الراهنة.
وعلى أي حال، فإن ما يمكن أن يسهم في تخفيف التوترات، هو إقدام الحكومة على جباية الرسوم، من أجل تغطية المتأخرات من الشهور الأربعة الماضية.