تثير سجلات نظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي شكوكا جديدة حول تباهي بريطانيا بأنها لم تتواطأ في عملية تعذيب قط. فقد سمعنا أولاً ادعاءات المعارض الليبي السابق عبدالحكيم بلحاج، الذي يؤكد أن جاك سترو، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، أذن بتسليمه إلى طرابلس في عام 2004.

وها نحن الآن نسمع المزيد من الادعاءات التي تشير إلى أن وكالتي الاستخبارات البريطانية الداخلية والخارجية، «إم آي 5» و»إم آي 6»، عملتا يدا بيد مع طرابلس في عام 2006 لإرغام اللاجئين الليبيين في بريطانيا على التعاون مع نظام القذافي. وكانت قضية بلحاج مزعجة بما فيه الكفاية.

ففي عهد القذافي، وبمباركة من بريطانيا، على ما يبدو، أمضى بلحاج ست سنوات في أحد أسوأ السجون الليبية. وفي رسالة مؤرخة 18 مارس 2004، هنأ ضابط في وكالة الاستخبارات البريطانية «إم آي 6» رئيس استخبارات القذافي على وصول بلحاج، الذي، بناء على هذه الوثيقة، يطالب الآن باعتذار من سترو، ومن رئيس سترو آنذاك توني بلير.

وتشير أحدث المذكرات الليبية إلى جرائم أخرى لا تقل خطورة. إذ تقول هذه الوثائق إن وكالتي «إم آي 5» و»إم آي 6» في عام 2006، وهو العام الذي كانت مارغريت بيكيت قد حلت محل سترو في وزارة الخارجية، كانتا تؤسسان علاقة وثيقة مع منظمة الأمن الخارجي التابعة لنظام القذافي.

وتعملان معها على ابتزاز المعارضين الليبيين في بريطانيا لحملهم على التعاون مع طرابلس من خلال الموافقة على العودة إلى ديارهم أو العمل كمخبرين. وتوضح إحدى الوثائق المؤرخة في أغسطس 2006 ما كان زملاء عناصر الاستخبارات الليبية من البريطانيين مستعدين لفعله من أجل إثبات حسن نواياهم.

ففي حال رفض أحد المعارضين أن يصبح مخبرا، وفقاً لما ذكر في الوثيقة، فإن «الشرطة البريطانية ستلقي القبض عليه، وتتهمه بالتعاون مع عملاء ليبيين سريين. وسيتم إخباره بأنه، بصفته من غير المقيمين في بريطانيا، فقد يتم ترحيله في حال وجد مذنباً». وتجدر الإشارة إلى أن هذه الملفات هي ملفات ليبية، وليست بريطانية.

وأنه من الممكن أن يكون الليبيون قد أساؤوا تفسير تعهدات كانوا يعتقدون أنهم تلقوها من نظرائهم البريطانيين. ولكن الصحيح أيضا هو أن حكومة القذافي في ذلك الوقت كانت تتودد إلى الغرب من خلال تخليها عن برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، وأن الحكومة البريطانية كانت حريصة على استغلال هذا العرض من أجل الحصول على مساعدة طرابلس في قتال ضد تنظيم القاعدة.

ومع ذلك، فإنه ما لم يتم الكشف عن هذه الوثائق باعتبارها وثائق مزورة، فسيكون من الواضح أن عملية التقارب هذه مع دكتاتورية القذافي تجاوزت حدود المنطق. وكان النائب المحافظ ديفيد ديفز محقاً في قوله إن قضية بلحاج لا تبدو وكأنها القضية الوحيدة، وان ادعاءاته لا تمثل سوى بداية لـ«ملحمة استخبارات مستمرة».

وأضاف ديفز إن ما تشير إليه الوثائق الليبية الآن هو أن الاستخبارات البريطانية «عرضت الأشخاص الذين حصلوا على حق اللجوء هنا للأشخاص أنفسهم الذين كانوا السبب في فرارهم». وذلك تصرف غير قانوني، ولذا فقد كان ديفز محقاً كذلك في مطالبته بفتح تحقيق أوسع بكثير من ذلك الذي تجريه شرطة العاصمة بشأن مزاعم بلحاج ضد سترو.

ويحتاج مثل هذا التحقيق إلى تحديد ما إذا كانت أجهزة الاستخبارات البريطانية تعمل دون موافقة وزارية عندما أبرمت صفقات مشينة مع نظام القذافي. وفي حال كان الأمر كذلك، فإن تلك الأجهزة ستحتاج إلى إعادة تنظيم. أما إن لم يكن كذلك، فإن عددا من الوزراء السابقين، بمن فيهم سترو، يجب أن يخضعوا للمحاكمة.