نادراً ما يمر يوم دون أن يعلن مراقب غربي زوال الرئيس الروسي المنتخب فلاديمير بوتين، ويشير إلى الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها موسكو وغيرها من المدن الكبرى، منذ الانتخابات البرلمانية في ديسمبر الماضي، على أنها تشكل "بداية نهاية عهد بوتين". ويتنبأ بعض المراقبين بأن بوتين لن يتمكن من إتمام سنواته الرئاسية الست. ولكن هذه التقديرات تستند إلى التفكير الحالم، والجماعي، أكثر من استنادها إلى الحقائق الثابتة. وتمثل الاحتجاجات ظهور طبقة وسطى جريئة ونشطة سياسياً، ضاقت ذرعاً بالفساد المستشري والقيود المفروضة على الحقوق السياسية الأساسية، في ظل بوتين وخلفه الرئيس الحالي ديمتري ميدفيديف.

ومع ذلك، فإنه لا ينبغي لنا أن نبالغ في النفوذ السياسي الذي تتمتع به هذه الطبقة. فعلى الرغم من نشاطها وصخبها، فإنها صغيرة نسبياً، وتنحصر في موسكو، وفي قلة من المدن الروسية الكبرى الأخرى، وخارج هذه المدن، يحظى بوتين بدعم أقوى وأكثر انتشاراً. وليس الناخبون في هذه المناطق راضين عن الأوضاع، ولكنهم يخشون من أن التغيير السياسي قد يعيد الفوضى وعدم الاستقرار، اللذين شهدهما عهد الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين. ويتغاضى العديد من الناقدين والمحللين الغربيين عن هذا العامل. وانطلاقاً من إعجابهم باحتجاجات موسكو، تنبأوا بأن بوتين لن يحصل على 50% من الأصوات في الجولة الأولى. ومع ذلك، فقد فاز بـ64% من الأصوات في الجولة الأولى، وهي نسبة تقل كثيراً عن الدعم الذي حظي به في الانتخابات في فترتيه الرئاسيتين الأوليين، ولكنها مع ذلك انتصار قوي.

وهذا لا يعني أن بوتين أصبح حاكماً ديمقراطياً ولد من جديد، أو أن واشنطن يجب أن تغفل عن الجوانب غير الطبيعية من حكمه. وبلا شك، فإن بوتين يواجه اليوم روسيا تختلف كثيراً عن تلك التي حكمها منذ 12 عاماً. فهو، خلال فترته الرئاسية الأولى، استفاد من ارتفاع أسعار النفط الذي وفر وسادة اقتصادية، وسمح لروسيا بأن تتعافى اقتصادياً على نحو أسرع مما توقعه العديد من المراقبين.

وليس من المرجح أن يكون بوتين محظوظاً بالدرجة نفسها هذه المرة، إذ يتوقع لأسعار النفط أن تظل مستقرة نسبياً خلال السنوات القليلة المقبلة. ولذا فإنه لا يستطيع الاعتماد على الحظ الاقتصادي الذي تمتع به في فترتيه الرئاسيتين السابقتين، وذلك من شأنه أن يصعب عليه تلبية المطالب الاقتصادية المتزايدة، وتطلعات الشعب الروسي الصاعدة.

وسيضطر بوتين أيضاً إلى التعامل مع طبقة وسطى متحضرة، أكثر اضطراباً وحزماً من الناحية السياسية. وستعتمد أمور عدة على كيفية تطور المعارضة السياسية. وما دام الضغط من أجل الشفافية والتغيير السياسي مقتصراً على الطبقة الوسطى في موسكو، إلى جانب عدد قليل من المناطق الحضرية، فإن تأثيره السياسي سيكون محدوداً على الأرجح. ولن تحدث حركة الاحتجاج تأثيراً سياسياً جاداً، إلا إذا وسعت قاعدتها السياسية، واتصلت بالفئات الاجتماعية الأخرى خارج المدن الروسية الكبرى.

وتقدم التجربة البولندية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، مثالاً مهماً في هذا الصدد. فلم يكن لنقابة "تضامن" أن تشكل تحدياً خطيراً للحكم الشيوعي في بولندا، لو أنها بقيت مقتصرة على النخبة المثقفة في وارسو وكراكوف. وكانت الصلات الوثيقة بين المثقفين الليبراليين في المدينتين وبين حركة الطبقة العاملة، هي التي جعلت من "تضامن" قوة سياسية هائلة، ومكنتها من تشكيل تحد قوي للنخبة الشيوعية الحاكمة.