يمكن أن تحدث المعجزات في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ووفقاً لنتائج الجولة الأولى، فإن الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي، بحاجة إلى معجزة، فقد كان عليه أن يبقى متقدماً على منافسه الاشتراكي فرانسوا هولاند في الجولة الأولى، لتسنح له فرصة الانتصار عليه في غضون أسبوعين. لكن الأصوات اليمينية التي نالها المرشحون المنهزمون في الدور الأول، جيرت لصالح المرشحين الأقلّ أهمية من هولاند.
وحتى لو أن ساركوزي جاء في المركز الأول بنسبة تبلغ حوالي 30% من الأصوات، فسوف يكون الأمر صعباً. فقد كان سيحتاج ثمانية أصوات من أصل 10 أصوات من مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، وستة أصوات من أصل عشرة من مرشح الوسط فرانسوا بايرو، لكي تسنح له فرصة الاحتفاظ برئاسة فرنسا. ولكن لننظر في ما حصل عليه فعلاً.
فحصوله على المركز الثاني بنسبة نحو 27% من الأصوات، يجعل رحلة البحث عن أصوات إضافية من اليمين المتطرف والوسط، أكثر يأساً بكثير.
وبحصول هولاند على ما يقرب من 29% من الأصوات، فإنه ليس هو الأوفر حظاً فحسب، ولكنه يتصدر أيضاً قمة الموجة اليسارية.
ومع الأخذ في الاعتبار النتيجة التي حصل عليها المرشحون اليساريون الرئيسيون وجناح اليسار، بأكثر من 42% من الأصوات، فإن هذه هي المرة الأولى التي يحققون فيها هذه النتيجة منذ عام 1988.
ومن اليسار واليمين، كانت الرسالة التي بعثت بها هذه الانتخابات، هي أن فرنسا سئمت من رئيسها.
وباعتباره الخاسر من استفتاء وطني عليه كزعيم، فإن ساركوزي سوف يكون بحاجة إلى القيام بحملة موجهة ضد شخصية المرشح الاشتراكي هولاند، خلال الأسبوعين المقبلين، ينتقد فيها افتقاره إلى سمات القيادة. وتلك الاستراتيجية كان قد بدأها بالفعل في السباقات الانتخابية الماضية، والتي قدم خلالها نفسه على أنه المنقذ الذي كانت تحتاجه فرنسا في أوقات الأزمات.
ولم يعبأ الناخبون بذلك، ولهذا سيكون من الصعب بالنسبة له أن يحاول تجميل صورته السياسية الفاشلة، رغم أنه سيحاول أن يفعل ذلك في المناظرة التلفزيونية قبل نهاية الجولة الثانية والأخيرة من التصويت. أما كبار مساعدي هولاند فهم أكثر طمأنينة بشأن هذا الموضوع، فكلما زاد ساركوزي اتساماً بالعدوانية، كلما كان أقل أهلية للرئاسة.
لكن ثقة اليسار بأن الرئاسة، أخيراً بعد 17 عاماً، أصبحت في متناول قبضته، قد تعرضت للاهتزاز بسبب نجاح لوبان، حيث حصلت على ما يقرب من 20% من الأصوات، وبذلك حققت أفضل نتيجة للجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، متجاوزة نتيجة 16.86% الصادمة، التي حققها والدها جان ماري في الجولة الأولى من انتخابات عام 2002. وبذلك، تكون قد نجحت في تحويل الحزب، الذي وصف بالتطرف وكان يواجه صعوبة في الظهور في وسائل الإعلام الحكومية، إلى حزب شعبوي وجمهوري.
إلا أن نجاحها ليس نجاحاً بالنسبة لساركوزي، وهي تريد الآن تحويل هذا النجاح الانتخابي إلى وجود كبير في الجمعية الوطنية الفرنسية، والتصويت لصالح رئيس خاسر، لن يكون بالضرورة في مصلحة حزبها. ويمثل نجاحها نكسة للرجل الذي ذاع صيته أثناء الحملة الانتخابية، وهو المتسابق في انتخابات الرئاسة الفرنسية جان لوك ميلانشون.
ومع أنه فشل في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في الاستحواذ على أصوات الطبقة العاملة من يد اليمين المتطرف، فإنه على الأقل يستطيع مواساة نفسه بحقيقة أن جبهته اليسارية قد عملت على توحيد تيار اليسار المتطرف، وضاعفت تصويتها ثلاثة مرات منذ بدء الحملة.