في مصر يستحيل أحياناً تحديد ما إذا كانت الفوضى هي من عمل القوى الشريرة المعادية للثورة، أم أنها مجرد رد فعل طبيعي. فهناك حريق كبير ينشب كل أسبوع تقريباً، وكان آخر هذه الحرائق ما حدث في مستودع للنفط في السويس.
وقد أثار ذلك على الفور مخاوف من أن "أعداء الثورة" هم المتورطون في إشعاله. يقول الناس في مصر إن حالة الفوضى سوف تقنع المواطن المصري العادي بأن الثورة كانت فكرة سيئة، فتكون النتيجة أن هذا المواطن أو المواطنة سوف يصوتان لصالح "الاستقرار" في الانتخابات الرئاسية المقبلة، أو الأسوأ من ذلك، مناشدة المجلس العسكري الحاكم في البلاد حالياً البقاء في السلطة.
لكن الرجل الذي وصف بأنه "مرشح الاستقرار"، وهو اللواء عمر سليمان رئيس جهاز الاستخبارات السابق في عهد الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، تم استبعاده من خوض انتخابات الرئاسة المصرية، من قبل اللجنة العليا للانتخابات. فقد فشل في جمع ما يكفي من التوكيلات المطلوبة قانوناً لخوض الانتخابات، ورُفض التظلم الذي قدمه ضد استبعاده.
وفي غضون ذلك، بادر البرلمان المصري بسرعة إلى إقرار مشروع قانون يهدف إلى منع أمثال سليمان من خوض الانتخابات. ولا بد من موافقة المجلس العسكري الأعلى في مصر على هذا القانون، في الوقت الذي تثار مخاوف من أن الموافقة عليه ستعزز موقف الإسلاميين، في مواجهة زميل قديم للمجلس العسكري كان إحدى دعامات نظام مبارك.
ويعتبر السباق الرئاسي مجرد واحد من العديد من المعارك التي يجري خوضها في مصر اليوم. فقد أثبت الصراع حول الدستور أنه شرس، وبعد أشهر من الجدل، أحيل الأمر إلى القضاء الذي أصدر حكمه بوقف تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور، وهي التي تم وضعها من قبل البرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون.
بعد مرور أكثر من عام على انطلاق الثورة المصرية، لا تزال مصر بلا رئيس مدني وبلا دستور، وتشوب المشهد السياسي في مصر حالة من الإرباك.. إذن، فما هو الخطأ؟ ألقى الكثيرون باللوم على خارطة الطريق التي فرضها المجلس العسكري في مصر، بمباركة من الإخوان المسلمين.
وبدلاً من رسم مسار جديد في صياغة الدستور الجديد الذي أرسى رؤية للمستقبل والقواعد الجديدة، والتي تنص على انتخاب البرلمان والرئيس، فقد وافقوا على رأب الصدع في النظام القديم، لكن دوافعهم في ذلك شابها الخلاف.
ففي حين سعى المجلس العسكري لإنقاذ أكبر قدر ممكن من النظام القديم، رأى الإخوان فرصة تاريخية للاستيلاء على السلطة بسرعة.
وفازت جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات، جنباً إلى جنب مع شخصيات إسلامية أخرى، وبدا أنها تستعد لحكم البلاد. ولكن عندما رفضت المؤسسة العسكرية السماح لهم بتشكيل حكومة جديدة خوفاً من إحداث تغيير الحقيقي، قاموا بالانسحاب. وكلاهما فشل على ما يبدو في الاتفاق على مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية.
حدث ذلك عندما تراجع الإخوان عن وعدهم السابق، ودفعوا بنائب المرشد العام للإخوان ورجل الأعمال المليونير خيرت الشاطر، لخوض انتخابات الرئاسة. أما سليمان، وبعد أشهر من البقاء بعيداً عن الأضواء، فقد أعلن هو الآخر دخوله حلبة الصراع، الأمر الذي أثار تكهنات بأنه مرشح المجلس العسكري.
ولكن كل ذلك لم يثمر شيئاً بعد استبعادهما من قبل اللجنة العليا للانتخابات، لأسباب مختلفة. وطرح ذلك أيضاً التكهنات بأن الحكم صدر بناء على دوافع سياسية.
تلك هي واحدة من خصوصيات الحياة السياسية في مصر اليوم، بأن يتم ربط ترشيح سليمان واستبعاده بوجود مؤامرة من نوع ما، دبرها الأشخاص أنفسهم بصورة واحدة.