في الوقت الذي تتسبب أزمة الديون الأوروبية الحالية في تحطيم الثقة العامة بالمؤسسات السياسية والاقتصادية في القارة، يتوقع المرء من القادة الأوروبيين أن يعملوا على تعزيز أكبر عدد ممكن من رموز الاتحاد. وبدلاً من ذلك، فقد سمح أولئك القادة لدائرة الخطر بأن تشمل إحدى مجوهرات التكامل الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. وخلافاً للاتحاد الأوروبي، الذي يتخذ من بروكسل مقراً له، والمحاصر منذ فترة طويلة بعجزه الديمقراطي، فإن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية.

ومقرها ستراسبورغ، تحظى بشعبية واسعة. ففي عام 2011، طلب أكثر من 60 ألف شخص مساعدتها. (وعلى النقيض من ذلك، فإن المحكمة العليا بالولايات المتحدة تتلقى ما يقرب من 10 آلاف عريضة في السنة). وفي سبيل تخليص محكمة حقوق الإنسان الأوروبية من هذا العبء الثقيل، فقد اقترحت بعض الدول الأعضاء تغييرات قد تضعفها، ولو من دون قصد. وبعد تأسيسها في أعقاب المحرقة، أصبحت المحكمة رمزاً لالتزام أوروبا بالحكم وفقاً للقانون، لا القوة، من خلال صون الحق في الحياة والمعاملة الإنسانية وحرية التعبير والحصول على محام.

ونظراً لآرائها الصائبة، فإن تأثير محكمة حقوق الإنسان الأوروبية يتجاوز حدود أوروبا. وحين تتحدث ستراسبورغ، يصغي القضاة والمحامون في مختلف أرجاء العالم.

ومع ذلك، فإن مستقبل المحكمة معرض لخطر شديد. وباعتبارها الوسيلة غير المتحيزة الوحيدة التي تحول دون استغلال السلطة في بعض البلدان، فإن هذه المحكمة تغرق بالشكاوى، التي يصدر أكثر من 60% منها من روسيا وتركيا وايطاليا ورومانيا وأوكرانيا.

ويجادل البعض بأن الحل الأمثل لهذا الفيضان من القضايا هو تقليص صلاحيات المحكمة. ولكن هذا النهج لا يبدو حكيماً. وقال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، على سبيل المثال، مخاطباً الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا إن القرارات الوطنية «يجب ان تعامل باحترام»، أي يجب أن تخضع لرقابة قضائية أقل. وبالمثل، فقد دعا مسؤولون كبار آخرون إلى فرض قيود جديدة على القضايا التي يحق للمحكمة أن تنظر فيها.

ويعتمد الحد من تدفق الشكاوى، في المقام الأول، على بذل الحكومات مزيداً من الجهد لترسيخ سيادة القانون في الداخل، وإن كان لا بد من إرغامها على ذلك. وتعد أحكام المحكمة الجازمة والملزمة، والتي يلزم كثير منها الحكومات بتعويض الضحايا، من أكثر الأدوات فعالية لممارسة ضغوط بناءة.

وعلاوة على ذلك، فإنه لا بد من إعطاء الإصلاحات التشريعية التي سنت في عام 2010 الوقت والموارد اللازمة لنجاحها. ويقر الجميع بأن محكمة حقوق الإنسان الأوروبية تحرز تقدما في الحد من تراكم الطلبات المعلقة.

وبالتأكيد، فإنه لا وجود لمحكمة تصيب في جميع قراراتها، أو ترضي جميع الأطراف. ولكن حتى الحكومات الديمقراطية ترتكب في بعض الأحيان أخطاء كبيرة. ويبدو أن بعض القادة السياسيين أكثر انشغالاً معارضتهم لقرارات فردية من أن يروا المصلحة الأكبر المتمثلة في الحفاظ على مؤسسة أوروبية تحظى بالإعجاب على نطاق واسع. وعلى الرغم من أن العواصم الأوروبية تناقش مشروع قانون معين، فإن دور جماعات المجتمع المدني لا يزال مبهماً. ومن الضروري أن يبادر أولئك الذين يحظون بأكبر حصة من محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، أي شعوب أوروبا، إلى المشاركة الفعالة في هذه المناقشات.

وفي زمن تكبله القيود المالية، يصدر قضاة المحكمة ما يزيد على 1000 حكم سنوياً، لقاء مبلغ يقل عن تكاليف ميزانية منشورات الاتحاد الأوروبي. وبعد مرور نصف قرن على ولادتها، تقدم محكمة حقوق الإنسان الأوروبية سلعة عامة لا تقدر بثمن، ليس فقط للأوروبيين، ولكن لكل من يهتم بحقوق الإنسان في أي مكان.